العلاقات الإماراتية الإسرائيلية: تحوّل استراتيجي أم تقارب مرحلي
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز التحولات الجيوسياسية، حين وقّعت الإمارات العربية المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي على ما بات يُعرف بـ"اتفاقيات أبراهام" في أيلول/سبتمبر 2020، لتصبح بذلك ثالث دولة عربية تطبّع علاقاتها مع إسرائيل بعد مصر والأردن، والأولى من بين دول الخليج العربي. جاء هذا الاتفاق برعاية أمريكية في عهد إدارة دونالد ترامب، وأحدث صدمة في الحسابات الإقليمية التقليدية التي كانت تستند إلى أن القضية الفلسطينية ستظلّ العقبة الكأداء أمام أي تقارب عربي–إسرائيلي.
لكنّ مرور السنوات أثار تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التقارب وعمقه: هل نحن أمام تحوّل استراتيجي طويل الأمد يعيد رسم خارطة التحالفات في المنطقة، أم أمام تكيّف تكتيكي مرهون بظروف المرحلة ومصالح آنية يمكن أن تتراجع متى ما تغيّرت المعطيات؟ للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من تفكيك الأبعاد المختلفة للعلاقة الثنائية، بعيدًا عن القراءات السطحية التي تختزل هذا الملف في زاوية واحدة.
جذور التقارب وأبعاده التاريخية
لم تنشأ العلاقات الإماراتية الإسرائيلية من فراغ؛ فقبل الاتفاق الرسمي في 2020، كانت هناك علاقات غير معلنة امتدّت لعقود، تجلّت في لقاءات سرّية بين مسؤولين إماراتيين وإسرائيليين. كشفت تقارير استقصائية عديدة أنّ أبوظبي سمحت لإسرائيل بفتح مكتب تمثيل تجاري غير رسمي في تسعينيات القرن العشرين، ثم أغلقته في عام 2000 مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
تعود جذور هذا التقارب إلى عوامل متعددة، أبرزها القلق المشترك من النفوذ الإيراني في المنطقة، إذ تنظر كل من أبوظبي وتل أبيب إلى طهران باعتبارها تهديدًا وجوديًا لمصالحهما. كما لعبت العولمة الاقتصادية والتكنولوجيا المتقدمة دورًا في تقريب المسافات، حيث أصبحت إسرائيل شريكًا مهمًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتقنيات الدفاعية.
ساهمت اتفاقيات أبراهام في رفع مستوى العلاقات من القنوات السرّية إلى الإطار العلني الرسمي، ما وفّر غطاءً دبلوماسيًا لتبادل السفراء وفتح السفارات وتوقيع اتفاقيات تعاون في مجالات السياحة والتجارة والثقافة. ومنذ ذلك الحين، باتت العلاقة أكثر انفتاحًا، وإن ظلّت محاطة بحسابات حذرة من الجانبين.
الدوافع الاقتصادية والتقنية للتطبيع
شكّلت الرؤية الاقتصادية أحد أبرز المحرّكات وراء التقارب الإماراتي الإسرائيلي؛ إذ سعت أبوظبي إلى تنويع شراكاتها الدولية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الأسواق النفطية، ورأت في التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة فرصة لتطوير اقتصادها القائم على المعرفة. وتُعدّ إسرائيل من أكثر دول العالم إنفاقًا على البحث العلمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
شهدت السنوات التي أعقبت التطبيع توقيع عشرات الاتفاقيات في قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والرعاية الصحية، والزراعة الذكية، والذكاء الاصطناعي. وتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2023 حاجز المليارَي دولار للمرة الأولى، مسجلًا نموًا مطردًا في خضمّ التوترات الإقليمية. كما دخلت شركات إسرائيلية كبرى السوق الإماراتية.
امتدّت الفوائد الاقتصادية إلى قطاع السياحة، حيث بات عشرات الآلاف من الإسرائيليين يزورون الإمارات سنويًا، فضلًا عن تطوير البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية. وأصبحت خدمات الإيداع الآمن عبر Mastercard ركيزة في تسهيل المعاملات التجارية الإلكترونية بين الشركات في البلدين.
التعاون الأمني والعسكري
يمثّل التعاون الأمني الركيزة الأكثر حساسية في العلاقة الثنائية، إذ تتشارك أبوظبي وتل أبيب تقديرات متقاربة تجاه التهديدات الإقليمية، وفي مقدّمتها البرنامج النووي الإيراني والتمدد الإيراني عبر الجماعات المسلحة في المنطقة. وقد أثمر هذا التقارب عن تبادل معلومات استخباراتية على مستوى عالٍ، وتوقيع اتفاقيات في مجال الدفاع الجوي وأنظمة الإنذار المبكر.
تستثمر الإمارات بكثافة في منظومة الدفاع الإسرائيلية، بما في ذلك أنظمة الحماية الإلكترونية وتكنولوجيا المراقبة المتقدمة، وهي تقنيات تتزايد أهميتها مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية في المنطقة. كما تعاون البلدان في مجالات الفضاء والذكاء الاصطناعي العسكري، وهو ما يعكس تحوّل العلاقة من شراكة محدودة إلى تحالف أمني ناشئ.
أثار هذا التقارب حساسية لدى بعض الأطراف العربية والإسلامية، إذ ترى فيه قوى إقليمية تجاوزًا للقضايا المركزية، لا سيما مع استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. وقد حاولت أبوظبي مرارًا تقديم نفسها كصوت معتدل يدعو إلى حلّ الدولتين، لكنّ مواقفها الفعلية تظلّ مورد جدل بين المراقبين.
التحولات الدبلوماسية وتداعياتها الإقليمية
أحدث التطبيع الإماراتي الإسرائيلي موجة من التفاعلات المتباينة في المنطقة؛ فقد رحّبت به بعض الدول الخليجية سرًّا، فيما قاطعته دول أخرى علنًا مثل قطر والكويت. كما أثار الاتفاق ردود فعل شعبية واسعة في العالم العربي والإسلامي، حيث خرجت مظاهرات مندّدة في عدة عواصم.
في المقابل، تعزّزت مكانة أبوظبي كلاعب إقليمي رئيسي، إذ باتت وسيطًا محتملًا في ملفات إقليمية عديدة، وهو ما أكّدته استضافتها لاجتماعات ووساطات برعاية أمريكية في السنوات الأخيرة. غير أنّ التقارب أثار أيضًا تنافسًا خليجيًا داخليًا، حيث برزت قوى منافسة مثل الدوحة والرياض في رسم معادلات النفوذ الإقليمي. ولمزيد من المعلومات حول توسّع الشراكات الاقتصادية في المنطقة يمكن الاطلاع على تحليلات أخبار تن.
على المستوى الفلسطيني، لم يؤدِّ التطبيع إلى انفراجة في ملف التسوية، بل يرى كثير من المحللين أنّ الفلسطينيين فقدوا ورقة ضغط مهمة. وقد أثارت الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023 هذا الملف من جديد، حيث وجدت الإمارات نفسها في موقف حرج بين علاقتها المتنامية مع إسرائيل والتزامها التاريخي بالقضية الفلسطينية.
مستقبل العلاقات ومحاور التقارب الاستراتيجية
يثير سؤال المستقبل جملة من السيناريوهات المتباينة؛ فالسيناريو الأول يرى أنّ العلاقات في طريقها إلى مزيد من الترسّخ والتوسّع، خاصة مع تنامي الأزمات الإقليمية وازدياد الحاجة إلى تحالفات أمنية صلبة. أما السيناريو الثاني فيرى أنّ المصالح الآنية هي المحرّك الأساسي، وأنّ أيّ تغيّر جذري في البيئة الإقليمية قد يدفع نحو مراجعة شاملة.
تتداخل في هذا السياق عوامل داخلية في كلا البلدين؛ ففي الإمارات، تتأثر السياسة الخارجية بالحسابات الاقتصادية وبالنموذج التنموي الذي يقوده محمد بن زايد. وفي إسرائيل، تتأثر الحكومة الحالية بطبيعة الائتلافات الحاكمة ومدى تطرّفها، وهو ما يضع سقفًا متحرّكًا لعمق العلاقة ومستواها.
تظلّ هناك إشارات متباينة على صعيد الرؤية الاستراتيجية لكلا الطرفين، إذ ترى أبوظبي في هذه العلاقة ضمانة لأمنها وموقعها الدولي، فيما ترى فيها إسرائيل اعترافًا ضمنيًا بشرعيتها وتطبيعًا مع عالم عربي أوسع. وسواء استمرّ التقارب أو تراجع، فإنّ بصماته ستبقى واضحة على خارطة المنطقة لسنوات طويلة.
محاور الشراكة الاستراتيجية:
- التعاون الأمني والاستخباراتي في مواجهة النفوذ الإيراني
- الشراكة في قطاعات الذكاء الاصطناعي والتقنيات السيبرانية
- تطوير صناعات الدفاع الجوي والفضائي المشترك
- الاستثمار في قطاعات الطاقة النظيفة والرعاية الصحية
- التبادل التجاري المتنامي الذي تجاوز ملياري دولار سنويًا
المخاطر والتحديات التي تعترض التقارب:
- الحساسية الشعبية العربية والإسلامية تجاه التطبيع
- التبعات المحتملة للحرب في غزة على مسار العلاقات الثنائية
- التذبذب في المواقف الأمريكية تجاه المنطقة
- التنافس الخليجي الداخلي حول النفوذ الإقليمي
- هشاشة التوازنات الإقليمية في حال تغيّر أولويات واشنطن