الانتخابات الرئاسية في سوريا: هل تنتج حلًا سياسيًا؟
تجتاز الجمهورية العربية السورية مرحلة حاسمة من تاريخها الحديث، إذ تتقاطع فيها ملفات سياسية وأمنية واقتصادية بالغة التعقيد. وبعد سنوات من الصراع المسلح والصراعات الإقليمية، يطرح استحقاق انتخابي رئاسي جديد نفسه بقوة على مائدة البحث، لا بوصفه حدثًا بروتوكوليًا فحسب، بل باعتباره اختبارًا لمدى قدرة المؤسسات السورية على إنتاج تسوية شاملة. ويتزامن هذا الاستحقاق مع حراك دبلوماسي مكثّف يستهدف إعادة رسم خريطة النفوذ داخل البلاد وخارجها.
ورثت سوريا أوضاعًا مدمّرة خلفتها سنوات الحرب، حيث تتوزع السيطرة على الأرض بين أطراف متعددة، وتتفاوت درجة الاستجابة الإنسانية والاقتصادية من منطقة إلى أخرى. هذا الواقع المركّب يجعل من أي عملية انتخابية اختبارًا صعبًا، إذ يصعب تصوّر إجرائها بمعايير الممارسة الديمقراطية الفضلى دون معالجة مسبقة لملفات النازحين واللاجئين والمعابر الحدودية. كما أن غياب توافق وطني حول آليات الترشح والمشاركة يعمّق الفجوة بين الأطراف المتنافسة.
وسط هذه التعقيدات، تتعالى أصوات تتساءل عمّا إذا كانت صناديق الاقتراع قادرة على إنتاج مخرج سياسي يُنهي حالة الجمود الطويل. فالتجارب المشابهة في بلدان أخرى أظهرت أن الانتخابات قد تكون محطة ضمن مسار سياسي أوسع، وليست بديلًا عنه. ومن هنا، فإن قراءة المشهد السوري تتطلب التمعّن في الشروط المحلية والإقليمية التي تحكم إمكانية تحوّل هذا الاستحقاق إلى فرصة لحلّ سياسي حقيقي.
المشهد السياسي الداخلي السوري
يتشكّل المشهد الداخلي من تركيبة هشة تتداخل فيها الولاءات الحزبية مع الولاءات العشائرية والطائفية، وهو ما ينعكس على طبيعة التنافس على كرسي الرئاسة. فالمشهد الحزبي يفتقر إلى تداول سلمي حقيقي للسلطة منذ عقود، فيما تتعامل المؤسسات الرسمية مع الاستحقاقات الانتخابية باعتبارها محطة لتكريس القيادة لا لتجديدها. ويبرز في هذا السياق تساؤل جوهري حول مدى قدرة العملية الانتخابية على تمثيل التنوع السوري الفعلي.
تتعدد القوى الفاعلة على الأرض، إذ تسيطر الحكومة على مناطق واسعة لكنها لا تحتكر الشرعية الكاملة، بينما تحتفظ فصائل معارضة مسلحة بوجود ميداني في شمال غرب البلاد. وفي شمال شرق سوريا، يتدخل لاعبون محليون بدور فاعل، حيث تطرح الإدارة الذاتية مسائل تتعلق باللامركزية والحوكمة المحلية. هذه التركيبة المتشظية تجعل من أي استحقاق رئاسي محفوفًا بالتحديات اللوجستية والقانونية على حد سواء.
الأطراف المؤثرة في مسار الانتخابات
لا تقتصر معادلة الانتخابات على اللاعبين السوريين وحدهم، بل تمتد لتشمل شبكة من القوى الإقليمية والدولية التي تملك أدوات ضغط وتأثير متنوعة. فعلى المستوى الإقليمي، تحتفظ كل من إيران وتركيا وروسيا بثقل خاص في الملف السوري، إذ تتقاطع مصالحها مع مكونات محلية ذات ارتباط عضوي بها. كما أن الدول الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، تنظر إلى الملف السوري من زاوية مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يفسّر الحضور المتزايد لتحركاتها الدبلوماسية في هذا الملف.
في هذا السياق، تتشابك الحسابات الإقليمية مع الديناميات الداخلية بشكل يصعب فصلهما. فالمقاربات السعودية تجاه المنطقة، والتي تتناولها تحليلات السياسات الخارجية السعودية بين التوازن والتمويه، تكشف عن مقاربة براغماتية تستند إلى إعادة التموضع في ملفات عدة. وبينما تتقاطع بعض هذه الحسابات مع الرؤية التركية والأمريكية، فإنها تتباعد في حالات أخرى، وهو ما يخلق مساحات تعارض يصعب تجاوزها.
الاستحقاق الانتخابي في ظل الانقسامات
يطرح الاستحقاق الرئاسي مجموعة من الأسئلة الدستورية والإجرائية التي لم تحسم بعد، إذ تتداخل النصوص القانونية مع الوقائع الميدانية. فالدستور السوري الحالي يستند إلى صياغة صدرت في ظروف الحرب، ولا يعكس التوافقات الوطنية المفترضة. وتطالب أطراف عدة بضرورة تعديل الإطار القانوني بما يضمن مشاركة أوسع، فيما ترى أطراف أخرى أن أي تعديل في هذا التوقيت قد يفتح الباب أمام تعقيدات إضافية.
تتفاقم مسألة الشرعية بغياب رقابة دولية مستقلة قادرة على الإشراف على مراحل العملية الانتخابية، وهو ما يضع الانتخابات في منطقة رمادية بين الاستحقاق الوطني والممارسة الشكلية. وتبرز في هذا الإطار دعوات متكررة لإشراك الأمم المتحدة في مراقبة الانتخابات، غير أن توافر الإرادة السياسية لدى القوى الكبرى يبقى العامل الحاسم في تحديد جدوى هذه المشاركة.
في هذا السياق، تتنامى مبادرات تشكيل هياكل سياسية جديدة من قبل شخصيات سابقة فاعلة، إذ تتجاوز الحدود الوطنية لتبحث عن تأثير في المشهد السياسي الإقليمي. ومن ذلك أنباء عن تشكيل لجنة سياسية تقودها شخصيات سابقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير هذا النوع من المبادرات على الاستحقاقات الانتخابية في المنطقة، بما فيها الاستحقاقات في سوريا. ويبقى الحكم على جدوى هذه المبادرات مرهونًا بقدرتها على بناء توافقات موضوعية بين الأطراف المعنية.
البعد الإقليمي والدولي
يحتل البعد الدولي مركزًا محوريًا في تقييم فرص نجاح أي تسوية سياسية في سوريا، إذ تتوقف فاعلية أي مسار انتخابي على طبيعة التفاهمات بين واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران والقاهرة وعمّان. وتتداخل الملفات الاقتصادية والأمنية بشكل وثيق مع المسار السياسي، إذ ترتبط إعادة الإعمار برفع العقوبات وعودة النازحين، وكلها ملفات مرتبطة بمفاوضات طويلة ومعقدة.
في السياق الإقليمي، تتركّز الأنظار أيضًا على التحولات في دول الجوار، حيث تتأثر الحسابات السورية بالمتغيرات في الأردن ولبنان والعراق. وتكشف احتجاجات في الأردن ذات مطالب اقتصادية عن هشاشة الأوضاع الاجتماعية في دول الطوق، وهو ما ينعكس بدوره على قدرة هذه الدول على استيعاب تداعيات أي تطور في الملف السوري. كما أن الضغوط الاقتصادية على هذه الدول تحدّ من هامش المناورة السياسية المتاحة لها.
على صعيد آخر، تبرز جهود المنظمات الإقليمية والدولية لإحياء المسار التفاوضي، حيث تُجرى لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف في عواصم مختلفة. غير أن غياب أرضية مشتركة واضحة بين الفاعلين الكبار يجعل من هذه التحركات أقرب إلى جس النبض منها إلى بلورة موقف موحد. ويؤثر هذا التشتت في قدرة المجتمع الدولي على لعب دور الضامن لأي تسوية مستقبلية في سوريا.
آفاق الحل السياسي المرتقب
تتوقف فرص تحوّل الانتخابات إلى حلّ سياسي على توفر مجموعة من الشروط الموضوعية والذاتية، والتي يصعب استيفاؤها دفعة واحدة. فالعملية السياسية المرتقبة تحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة نسبيًا، وإلى إطار قانوني يحظى بتوافق وطني، إضافة إلى ضمانات دولية واضحة للالتزام بنتائجها. وفي غياب هذه الشروط مجتمعة، تظل الانتخابات أقرب إلى مناورات السلطة منها إلى محطة تحول ديمقراطي.
في المقابل، يمكن لعدد من العوامل أن يسهم في تحسين فرص إنتاج تسوية سياسية، أبرزها:
عوامل تدعم إنتاج حل سياسي
- تضافر الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية تحت مظلة الأمم المتحدة
- وجود إرادة سياسية داخلية لإعادة هيكلة السلطة وفق معايير التوافق
- عودة تدريجية وآمنة للنازحين واللاجئين السوريين
- ربط ملف إعادة الإعمار بمسار سياسي شامل لا بمصالح ضيقة
- توفير آليات رقابة دولية مستقلة على العملية الانتخابية
- إشراك المكونات السورية غير الممثلة في القرار السياسي
لكن هذه العوامل تصطدم بجملة من العقبات الموضوعية التي تهدد فرص نجاح أي مسار انتخابي، ومن أبرزها:
عقبات تهدد المسار الانتخابي
- استمرار الانقسامات الأمنية والعسكرية على الأرض
- غياب توافق حول هوية الدولة وشكل نظامها السياسي
- تعقّد الخارطة الإقليمية وتداخل المصالح بين القوى الكبرى
- هشاشة الثقة بين الحكومة والمعارضة بعد سنوات من الصراع
- تأثير الجماعات المسلحة على مسارات الترشح والمشاركة
- محدودية قدرة المجتمع الدولي على فرض حلول متوازنة
تبقى الانتخابات الرئاسية في سوريا استحقاقًا بالغ الحساسية، إذ لا يمكن فصله عن مسارات التفاوض الدولية وعن تطورات الميدان السوري المتسارعة. ويبدو أن المعالجة الفعلية للأزمة تتطلب مقاربة تراكمية تجمع بين المسار الأمني والدبلوماسي والاقتصادي، قبل أن تثمر أي عملية انتخابية عن نتائج ذات معنى. وما لم تتوافر الشروط الكفيلة بإنتاج تسوية شاملة، فإن صناديق الاقتراع ستبقى محطة ضمن مسار أطول، وليس عنوانًا لحلّ نهائي.