الحوثيون في اليمن من التمرد إلى السلطة

يمثل صعود الحوثيين في اليمن واحدة من أكثر التحولات السياسية والعسكرية تأثيرًا في تاريخ البلاد الحديث. فقد بدأت الحركة بوصفها تيارًا دينيًا واجتماعيًا في شمال اليمن، ثم تحولت إلى جماعة مسلحة خاضت حروبًا متكررة مع الحكومة، قبل أن تصبح القوة الفعلية المسيطرة على صنعاء ومناطق واسعة من الشمال والغرب. Geocuisine.org.

لا يمكن فهم هذا المسار باعتباره نتيجة عسكرية منفصلة عن أزمة الدولة اليمنية. فضعف المؤسسات، والانقسامات القبلية والسياسية، والتدخلات الإقليمية، وتراجع الاقتصاد، كلها عوامل ساعدت على انتقال الحوثيين من المعارضة المسلحة إلى إدارة سلطة أمر واقع تنافس الحكومة المعترف بها دوليًا وتؤثر في أمن البحر الأحمر والمنطقة.

الجذور الدينية والاجتماعية للحركة

نشأت الحركة الحوثية في محافظة صعدة خلال تسعينيات القرن العشرين في بيئة زيدية شعرت بتراجع نفوذها الديني والسياسي أمام تمدد التيارات السلفية والتغيرات الاجتماعية المرتبطة بحكم الرئيس علي عبد الله صالح. قاد حسين بدر الدين الحوثي نشاطًا ثقافيًا ودينيًا ركز على إحياء الهوية الزيدية وانتقاد السياسات الأمريكية والإسرائيلية، قبل أن تتسع المواجهة بينه وبين السلطة.

كان شعار الحركة ومفرداتها السياسية جزءًا من خطاب احتجاجي يتجاوز المطالب المذهبية الضيقة. فقد انتقد الحوثيون الفساد، والتبعية الخارجية، وتهميش مناطق شمالية، واعتبروا أن النظام السياسي يستخدم التحالفات القبلية والأمنية لإقصاء خصومه. وفي المقابل، رأت الحكومة أن النشاط الحوثي يهدد وحدة الدولة ويقود إلى تمرد مسلح.

بين عامي 2004 و2010 اندلعت ست حروب في صعدة ومحيطها. أسهمت هذه المواجهات في تعزيز البنية العسكرية للجماعة، ووسعت قدرتها على التجنيد والتنظيم. كما أن القصف والنزوح والاحتقان المحلي عمقت القطيعة بين الحوثيين والحكومة، وجعلت الحركة أكثر استعدادًا لخوض صراع طويل.

من الاحتجاج السياسي إلى السيطرة على صنعاء

أحدثت احتجاجات عام 2011 نقطة تحول في علاقة الحوثيين بالمشهد الوطني. فقد شاركوا في الانتفاضة ضد صالح، ثم استفادوا من المرحلة الانتقالية المضطربة التي أدارها الرئيس عبد ربه منصور هادي. وبينما انشغلت القوى السياسية بالحوار الوطني وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، عزز الحوثيون وجودهم العسكري في صعدة ومحافظات مجاورة.

في عام 2014 استغل الحوثيون الغضب الشعبي من رفع أسعار الوقود وفشل الحكومة في تقديم الخدمات. تحولت المظاهرات إلى ضغط سياسي وعسكري، وانتهت بدخول الجماعة صنعاء في سبتمبر من العام نفسه. لم يكن سقوط العاصمة مجرد انتصار ميداني، بل كان انهيارًا لتوازن سياسي هش سمح للحوثيين بفرض ترتيبات جديدة على مؤسسات الدولة.

بعد ذلك، وُقّعت اتفاقات لتقاسم السلطة، لكنها لم تمنع تصاعد التوتر. احتجز الحوثيون الرئيس هادي، وسيطروا على مواقع حكومية وعسكرية، ثم تقدموا نحو الجنوب. وفي مارس 2015، غادر هادي البلاد، وبدأ التحالف الذي تقوده السعودية تدخلًا عسكريًا لدعم الحكومة ومنع استكمال السيطرة الحوثية على اليمن.

الحرب الإقليمية وتبدل موازين القوى

حوّل التدخل العسكري الصراع اليمني إلى حرب متعددة الأطراف. شاركت السعودية والإمارات في العمليات الجوية والبرية، بينما تلقت جماعة أنصار الله دعمًا عسكريًا وتقنيًا من إيران بدرجات متفاوتة، وفق تقارير دولية متعاقبة. ومع مرور الوقت، طورت الجماعة قدراتها في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، واستهدفت مواقع داخل السعودية والإمارات وممرات بحرية في المنطقة.

أدى النزاع إلى انقسام جغرافي وسياسي واضح. يسيطر الحوثيون على صنعاء ومعظم المرتفعات الشمالية وموانئ مهمة، بينما تدير الحكومة المعترف بها دوليًا وقوى محلية متحالفة معها مناطق في الجنوب والشرق. كما ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه طرفًا مؤثرًا يطالب باستعادة دولة الجنوب، ما جعل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه متعدد الأهداف.

تقدم الترتيبات السياسية والحوارية صورة عن تعقيد الأزمة، ويمكن متابعة تطورات الملف اليمني ضمن الأخبار الإقليمية، حيث تتداخل الهدنة مع الملفات الأمنية والاقتصادية والإنسانية. فوقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة حل أسباب الحرب، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول شكل الدولة وتقاسم الموارد والسلطة.

إدارة الأمر الواقع وبناء مؤسسات موازية

بعد السيطرة على صنعاء، أنشأ الحوثيون منظومة حكم تجمع بين الأجهزة الرسمية القائمة والهياكل التنظيمية التابعة للجماعة. ظهرت لجان شعبية وأمنية، ثم تشكلت حكومات موازية ومجالس سياسية لإدارة المناطق الخاضعة لهم. ويعتمد هذا النظام على شبكة من المشرفين المحليين الذين يتابعون الأمن، والموارد، والتعبئة، وعلاقة المجتمع بالسلطات.

تفرض الجماعة جبايات ورسومًا متعددة لتمويل الإدارة والمجهود الحربي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد من انقسام البنك المركزي وتراجع الإيرادات وانقطاع الرواتب. كما تستخدم المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية لنشر خطابها السياسي وتعبئة السكان، مع توسيع حضور رموزها في الفضاء العام.

أثرت هذه السياسات في الحياة اليومية وحقوق السكان. فقد تعرض صحفيون وناشطون ومعارضون للاعتقال، وفرضت قيود على العمل المدني والتجمعات العامة. كما دفعت الحرب والانقسام آلاف الموظفين إلى ترك وظائفهم أو العمل دون رواتب منتظمة. ومع ذلك، تحاول الجماعة تقديم نفسها بوصفها سلطة مقاومة تحمي السيادة اليمنية، مستفيدة من السخط الشعبي تجاه التدخل الخارجي والفساد.

المجتمع اليمني ومسارات التسوية

لا يختصر نفوذ الحوثيين في العامل العسكري، إذ يستندون إلى قاعدة اجتماعية في مناطق زيدية شمالية، وإلى شبكات قبلية ومصالح محلية توسعت خلال سنوات الحرب. لكن هذا التأييد ليس ثابتًا أو موحدًا؛ فهو يتأثر بالخدمات، والضرائب، والاعتقالات، والخسائر البشرية، ومدى قدرة السلطة المحلية على توفير الأمن والرواتب.

كما ترك النزاع أثرًا واسعًا في الثقافة والهوية والذاكرة الجماعية. فالموسيقى، والاحتفالات، والرموز الدينية، والمناهج الدراسية أصبحت مجالات للتنافس السياسي، ويمكن قراءة خلفيات هذا التداخل بين المجتمع والسياسة عبر مواد الثقافة اليمنية. وفي المدن والقرى، تظل العادات المحلية والروابط العائلية عاملًا مهمًا في تخفيف الصراع أو إعادة إنتاجه.

تحتاج التسوية إلى اتفاق يتجاوز وقف العمليات العسكرية، ليشمل مستقبل مؤسسات الدولة، وترتيبات الأمن، ورواتب الموظفين، وفتح الطرق والموانئ، وإعادة الإعمار. كما يتطلب السلام تمثيلًا حقيقيًا للجنوب، وضمانات للمناطق المتضررة، وآلية لمعالجة ملف السلاح. ويظل الاقتصاد عنصرًا حاسمًا، لأن استمرار الانقسام المالي قد يعيد إشعال الحرب حتى بعد التوصل إلى تفاهم سياسي.

تؤكد التجربة اليمنية أن انتقال جماعة مسلحة من التمرد إلى السلطة لا يحدث عبر السيطرة على العاصمة وحدها. فالشرعية، وإدارة الخدمات، والقدرة على حماية المجتمع، وبناء مؤسسات تتسع لجميع اليمنيين، تحدد ما إذا كان النفوذ العسكري سيتحول إلى نظام سياسي مستقر أم سيبقى سلطة مؤقتة معلقة فوق نزاع مفتوح. ومع استمرار المفاوضات والضغوط الإقليمية، يبقى مستقبل الحوثيين مرتبطًا بمقدار استعدادهم للانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.

آفاق النفوذ الحوثي ومستقبل اليمن

يمتلك الحوثيون عناصر قوة يصعب تجاهلها، منها السيطرة على العاصمة، والانتشار السكاني في مناطق استراتيجية، والخبرة القتالية، والقدرة على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى خطاب سياسي يربط الجماعة بالقضية الفلسطينية ومواجهة النفوذ الأجنبي. وقد منحها ذلك حضورًا يتجاوز الحدود اليمنية إلى حسابات أمن الخليج والبحر الأحمر.

في المقابل، تواجه الجماعة أعباء كبيرة. فإدارة مناطق مكتظة بالسكان وسط اقتصاد منهار تتطلب موارد وخدمات لا يوفرها الخطاب التعبوي وحده. كما أن استمرار القمع والجبايات قد يوسع الفجوة بينها وبين قطاعات اجتماعية كانت ترى فيها قوة احتجاجية، بينما قد يؤدي الصراع على الموارد والمناصب إلى توترات داخلية.

يبقى مستقبل اليمن مرهونًا بتسوية تعترف بتعدد القوى دون تكريس الانقسام الدائم. وقد يكون دمج المؤسسات، وتوحيد المالية العامة، وإطلاق مسار عدالة ومصالحة، وإعادة بناء الجيش على أسس وطنية، خطوات ضرورية لإنهاء دورة العنف. أما استمرار حكم الأمر الواقع وتعدد مراكز القرار، فسوف يبقي البلاد عرضة لتجدد المواجهات حتى مع هدوء الجبهات.