الملف النووي الإيراني والمفاوضات في فيينا بين التعقيد والمراوحة

منذ أن أعلنت طهران عن قدراتها النووية قبل عقدين من الزمن، ظلّ هذا الملف يتصدّر أجندة السياسة الدولية ويشكّل اختباراً صعباً للدبلوماسية متعددة الأطراف. المفاوضات التي استضافتها العاصمة النمساوية فيينا على مدى سنوات طويلة حملت أسماء مختلفة ومراحل متعاقبة، لكنها اصطدمت بجملة عوامل جعلت الوصول إلى اتفاق نهائي تراوغه كل الحسابات.

في عام 2015، وقّعت إيران والقوى الكبرى اتفاقاً نووياً عُرف بالخطة الشاملة المشتركة للعمل، قبل أن تتراجع الولايات المتحدة عنه في 2018 تحت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. أثار ذلك قراراً إيرانياً بالتخلي عن عدد من التزاماتها، لتدخل المفاوضات منذ عام 2021 مساراً بطيئاً لاستعادة ذلك الإطار التفاوضي الهشّ، وسط أجواء مشحونة بالخلافات الجيوسياسية في المنطقة والعالم.

تشكّل المحادثات المستأنمة في فيينا اختباراً دقيقاً لقدرة المجتمع الدولي على احتواء الأزمات الكبرى قبل تحوّلها إلى مواجهات مفتوحة. تتابع هذه الجولات باهتمام بالغ من العواصم الإقليمية والقوى الكبرى لما تنطوي عليه من تبعات على أمن الخليج والشرق الأوسط واستقرار أسواق الطاقة.

جذور الملف النووي الإيراني ومحطاته الكبرى

تعود بدايات القلق الدولي من البرنامج النووي الإيراني إلى أوائل العقد الأول من الألفية الثالثة، حين انكشف نشاط طهران في مجال التخصيب بوجه علني. تعاقبت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أثارت أسئلة حول الأبعاد السلمية المزعومة، بينما أصرّت إيران على حقها في الاستخدام المدني للطاقة الذرية بموجب معاهدة عدم الانتشار.

شكّلت سنوات ما بين 2006 و2015 مرحلة عقوبات دولية ضاغطة فرضها مجلس الأمن والدول الغربية، تخلّلتها محاولات دبلوماسية متباعدة. أفضت تلك المرحلة إلى انعقاد اتفاق جنيف ثم الاتفاق الشامل الذي مثّل سابقة في تاريخ نزع السلاح، إذ تضمّن آليات تفتيش مشدّدة مقابل رفع تدريجي للعقوبات.

جاء الانسحاب الأمريكي الأحادي في مايو 2018 ليُعيد خلط الأوراق من جديد، إذ دخلت واشنطن في حملة "الضغط الأقصى" التي استهدفت خنق الاقتصاد الإيراني عبر عقوبات ثانوية طالت أطرافاً دولية أخرى. ردّت طهران بالتسارع في تخصيب اليورانيوم وصولاً إلى نسب تتجاوز بكثير سقف الاتفاق الأصلي، مما أعاد الملف إلى نقطة حرجة تستوجب حلولاً عاجلة.

القوى المنخرطة في المفاوضات النووية

تجلس على طاولة المفاوضات في فيينا مجموعة من القوى ذات الثقل السياسي والاقتصادي، يتفاوت دورها بين الإطار الرسمي والمسار غير المباشر. تتداخل أجندات هذه الأطراف وتتقاطع بحسب الأولويات الاستراتيجية لكل منها في منطقة الشرق الأوسط وملفات الطاقة والأمن الدولي.

تتفاوت الأولويات بين هذه القوى، فبينما تسعى واشنطن إلى قيود أطول مدى وصواريخ باليستية خارج نطاق الاتفاق، تصرّ طهران على رفع كامل للعقوبات وعودة العلاقات الاقتصادية الطبيعية. ويتركّز الدور الأوروبي على الحفاظ على آلية التفاوض ومنع انهيار الحوار، في وقت تتعامل فيه بكين وموسكو مع الملف من زاوية المصالح الاستراتيجية بعيداً عن حسابات الغرب المباشرة.

جولات المحادثات في فيينا ومساراتها

شهدت فيينا منذ أبريل 2021 ستّ جولات رسمية متتالية من المفاوضات بين طهران والقوى الكبرى، تراوحت بين فترات الإحراز الملوحَظ ومراحل المراوحة الطويلة. انتهت الجولة السادسة بتوقف مفاجئ أعقبه انتخاب حكومة إبراهيم رئيسي في إيران، مما أدخل المفاوضات في حقبة جديدة بمرونة متفاوتة.

أعادت الحكومة الإيرانية الجديدة فتح قنوات التفاوض مع الوفد الأمريكي عبر الوسطاء الأوروبيين، لكن باشتراطات أثارت مخاوف بعض العواصم الغربية. تخلّلت المحادثات مقترحات متبادلة حول ضمانات عدم التخصيب مقابل الإفراج عن أرصدة إيرانية مجمّدة في بنوك آسيوية.

بحسب ما رصدته تقارير صحفية من فيينا، فإن القضايا الفنية المتعلقة بآلية التحقق من منشآت إيران النووية شكّلت العنصر الأكثر استعصاءً. ويرى مراقبون أن طول فترة التوقف وتراكم ملفات إقليمية أخرى كالحرب في أوكرانيا أضعف زخم التفاوض وأخّر التوصّل إلى نقطة التقاء واضحة.

أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران

تنحصر نقاط الخلاف الأساسية في ثلاث قضايا مركزية، تتجاوز كل منها البعد النووي إلى أبعاد سياسية وأمنية أعمق. تمثّلت أولى هذه القضايا في طلب واشنطن ضمانات بعدم امتلاك إيران أسلحة نووية عبر آلية تحقق صارمة ومستمرة، فيما رفضت طهران أي قيود تتجاوز ما نصّ عليه الاتفاق الأصلي.

تشمل ثاني النقاط مطالبة طهران بإغلاق ملف التحقيق في أنشطتها غير المُعلَنة، وهو ما تعتبره الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضرورة فنية لا يمكن تجاوزها. في حين تتعلق ثالث النقاط بالعقوبات المفروضة على الحرس الثوري الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، إذ تريد طهران إخراج هذه الملفات من إطار المفاوضات، بينما تتمسك واشنطن بإدراجها في أي تسوية شاملة.

تتداخل هذه الملفات مع متغيّرات إقليمية خطيرة، أبرزها التوتر مع إسرائيل وتصاعد العمليات الاستخباراتية المزعومة ضد منشآت نووية إيرانية. يدفع هذا التداخل بعض الأطراف للاعتقاد بأن أي اتفاق نووي لن يصمد دون معالجة موازية لمسائل الأمن الإقليمي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الحلول الوسط أكثر هشاشة.

المواقف الإقليمية والدولية من المفاوضات

تتفاوت ردود الفعل الإقليمية تجاه المفاوضات النووية بين الترحيب الحذر والتحفظ الشديد، بحسب الموقع الجيوسياسي لكل دولة ومصالحها الأمنية المباشرة. ترى دول الخليج العربي أن أي اتفاق يجب أن يأخذ في الاعتبار استقرار أمنها الإقليمي وعدم تعاظم النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما يتكرر في بياناتها الرسمية.

تتخذ إسرائيل موقفاً متشدداً يرفض أي تسوية تُبقي على قدرات إيران النووية بأي شكل، وقد لوّحت مراراً بعمل عسكري أحادي ضد المنشآت الإيرانية. في المقابل، عبّرت تركيا وعدد من دول الجوار عن تأييدها لحلّ دبلوماسي يُبعد شبح سباق تسلّح نووي جديد في منطقة شديدة الحساسية.

تتجه روسيا والصين إلى دعم مسار الحوار مع المطالبة برفع سريع للعقوبات الغربية، وتستخدمان الملف كورقة ضغط في علاقاتهما مع واشنطن. أمّا الحكومات الأوروبية فتعمل على صياغة لغة مشتركة بين واشنطن وطهران، مع وعي كامل بحدود قدراتها أمام تعقّد الملف. وفي السياق الإعلامي، تتابع منصات متخصصة ما يجري في فيينا من تطورات لحظة بلحظة ضمن تغطياتها للشأن الإيراني.

سيناريوهات محتملة لمسار المفاوضات

تتراءى أمام الملف النووي الإيراني عدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين التفاؤل المشروط والتشاؤم العميق. يعتمد كل سيناريو على تطورات الداخل الإيراني والنتائج الانتخابية الأمريكية فضلاً عن مستجدات الإقليم. ترسم هذه السيناريوهات خارطة طريق لقرارات صنّاع القرار في طهران وواشنطن والقوى الكبرى.

يمثّل هذا الملف النووي اختباراً صعباً لكل أطرافه، إذ يتداخل فيه البعد التقني الحساس مع الحسابات السياسية المتشابكة والمصالح الاقتصادية الكبرى. ومع كل جولة مفاوضات في فيينا، يتأكّد أن التوصّل إلى تسوية دائمة يستلزم توازنات دقيقة لا تتيسّر بسهولة في ظل المتغيرات المتلاحقة على الساحتين الإقليمية والدولية، وتبقى المراوحة عنوان المرحلة الراهنة بانتظار أفق سياسي جديد: