المرأة في البرلمانات العربية: نسب المشاركة والتحديات الراهنة
تشهد المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة في البنية السياسية والاجتماعية، انعكست جزئياً على تكوين المجالس التشريعية. ويظل تمثيل المرأة في البرلمانات العربية أحد المؤشرات الأكثر دلالة على حجم هذه التحولات، إذ تتراوح النسب بين دول سبّاقة في هذا المجال وأخرى لا تزال تكافح من أجل تجاوز العوائق البنيوية. هذا التباين يفتح باب التساؤل حول طبيعة العوامل التي تحفّز المشاركة وتلك التي تكبحها.
بحسب تقارير الاتحاد البرلماني الدولي، يبلغ المتوسط العالمي لتمثيل النساء في البرلمانات نحو 26 في المئة، بينما لا يتجاوز المعدل في المنطقة العربية عتبة 17 في المئة، مع تفاوتات واسعة بين بلد وآخر. وتكشف الأرقام أن دولاً مثل الإمارات وتونس والعراق حققت قفزات نوعية، في حين ظلت دول أخرى عند مستويات متدنّية، مما يطرح تساؤلات حول استدامة المكاسب وآليات ترسيخها. وتؤكد دراسات المقارنة أن الفجوة بين الحقوق المكفولة نظرياً والقدرة الفعلية على الوصول إلى قبة البرلمان تبقى واسعة في أغلب الحالات.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز دور الإصلاحات التشريعية والأطر المؤسسية في رسم ملامح المشاركة النسائية. كما تتشابك العوامل الاقتصادية والاجتماعية لتحديد فاعلية هذه الإصلاحات وقدرتها على الصمود أمام التحولات السياسية المتلاحقة. ويستند التحليل التالي إلى مقاربة تجمع بين المعطيات الكمية والمقاربات النوعية لفهم أعمق لهذا الواقع.
المشهد الإحصائي للتمثيل النسائي في المنطقة
تتفاوت نسب وجود النساء في المجالس التشريعية العربية تفاوتاً ملحوظاً، إذ تحتلّ تونس والإمارات والعراق المراتب الأولى عربياً بنسب تتراوح بين 30 و37 في المئة، في حين تسجّل دول مثل عُمان ومصر واليمن نسباً أدنى من 7 في المئة. وتُظهر البيانات أن ثمة دولاً حققت تقدماً سريعاً خلال سنوات قليلة بفضل إصلاحات تشريعية محورية، بينما تراجعت دول أخرى عن مواقعها السابقة نتيجة عوامل سياسية وأمنية.
هذا التباين لا يعكس اختلافاً في درجة الوعي الاجتماعي فحسب، بل يكشف أيضاً عن طبيعة الأنظمة الانتخابية ومدى انفتاحها على التعددية. فالدول التي اعتمدت أنظمة نسبياً متطورة أو فرضت حصصاً إلزامية للمرأة تمكنت من رفع التمثيل، في حين أن الاعتماد على الدوائر الفردية في دول أخرى أسهم في إبقاء النسب متدنّية. ومن هنا، فإن الحديث عن المشاركة لا ينفصل عن بنية النظام السياسي ومدى تكافؤ الفرص التي يوفّرها.
الإصلاحات التشريعية وحصص الكوتا
شكّلت الحصص النوعية والزمانية أحد أهمّ الأدوات التي لجأت إليها دول عربية لتسريع إدماج المرأة في البرلمان. فقد اعتمدت المغرب نظام الكوتا منذ عام 2002، وتبنّت تونس مبدأ التناصف الأفقي والعمودي في الدستور، فيما أدرجت مصر والعراق والجزائر نصوصاً تخصيصية في قوانين الانتخابات. وقد أثمرت هذه الأدوات عن قفزات ملموسة في نسب الترشح والتمثيل، وإن تراوحت فعاليتها من حالة إلى أخرى بحسب السياق السياسي العام.
وتتصل هذه الإصلاحات بمسار أشمل من التحوّلات، إذ تتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية أوسع، كما يتّضح في متابعة السياسات الخارجية السعودية بين التوازن والطموح التي رافقت توجّه المملكة نحو تنويع اقتصادها وتوسيع أدوار المرأة في الفضاء العام. ويؤكد هذا الترابط أن تمكين المرأة سياسياً ليس مساراً منعزلاً، بل جزء من إعادة تشكيل شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
العوائق الاجتماعية والثقافية
رغم الترسانة القانونية التي كرّستها كثير من الدساتير العربية، تبقى العقبات الاجتماعية والثقافية من أشدّ التحديات التي تحدّ من فاعلية هذه النصوص. فالصورة النمطية حول دور المرأة في الحياة العامة، والموروث المتصل بتوزيع الأدوار داخل الأسرة، فضلاً عن ضغط الأعراف العشائرية في بعض المناطق الريفية، تشكّل كلها عوامل كابحة حتى حين تتوافر الإرادة السياسية.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام ومنصات التواصل في تشكيل هذه الصور، فالإطالة في تغطية أخبار النساء البرلمانيات أو حصرها في زوايا اجتماعية يقلّص من حضورهنّ في النقاش العام. وتعدّ هذه الدينامية أحد الأسباب التي تجعل النساء المنتخبات غالباً ما يسعين إلى تأسيس شبكات تضامن مهنية وإعلامية مستقلة لضمان وصول أصواتهنّ إلى الجمهور بأشكال أكثر تنوعاً.
الأبعاد الاقتصادية لتحديات الترشح
يفرض الترشّح للانتخابات تكاليف مالية مرتفعة في معظم الدول العربية، بدءاً من الحملات الدعائية وصولاً إلى التنقّل بين الدوائر الانتخابية، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية أمام النساء اللواتي غالباً ما يفتقرن إلى شبكات تمويل مستقلة أو إلى إمكانية الاقتراض بضمانات عقارية كافية. وتكشف أخبار الاقتصاد أن فجوة الأجور بين الجنسين في المنطقة لا تزال قائمة، وأن استقلال المرأة الاقتصادي يظلّ من أهمّ المحددات لقدرة المرأة على خوض غمار المنافسة الانتخابية.
وتبرز أيضاً مسألة التمويل الحزبي، إذ تندر الأحزاب التي تعتمد معايير شفافة في توزيع الموارد بين مرشحيها، مما يحرم النساء من فرص متكافئة في الوصول إلى القواعد الانتخابية. وتزداد هذه المشكلة حدّة في الدورات الانتخابية التي تشهد منافسة محتدمة، حيث يفضّل الممولون المرشحين الذين تتوفر لديهم ضمانات شبكية وقبلية أوسع.
أدوار الأحزاب وآليات الترشيح الداخلية
تُمثّل الأحزاب السياسية البوّابة الأولى للترشح البرلماني في أغلب الأنظمة العربية، غير أن كثيراً من هذه الأحزاب لا تزال تعمل وفق هياكل داخلية ذكورية تُقصي النساء من مراكز القرار. وتُظهر دراسات حالة عديدة أن النساء الحزبيات كثيراً ما يُكلَّفن بأدوار تنظيمية أو نقابية، في حين تُحجب عنهنّ حقائب وزارية أو أمانات عامة تُفضي إلى ترشيحات في مواقع متقدمة.
وتتطلب معالجة هذا الخلل تفعيل آليات تمييز إيجابي داخل الأحزاب، مثل تخصيص نسبة دنيا من الترشيحات للمرأة، أو إقرار نظام تناوب في قوائم الحزب. وقد أثبتت تجارب حزبية في الأردن ولبنان أن مثل هذه الإجراءات، حين تُقرّ وتُطبَّق بصرامة، قادرة على تغيير صورة الترشيح تدريجياً وتعزيز ثقة الناخبات في القدرات النسائية.
دروس من التجارب الرائدة
تُعدّ التجربة التونسية من أكثر النماذج دلالة، إذ نجحت منذ دستور 2014 في تكريس مبدأ المساواة في الترشح، وإن ظلّ تمثيل المرأة في المناطق الداخلية متفاوتاً. أما التجربة المغربية فقد أوجدت نموذجاً للكوتا النوعية ضمن اللوائح الوطنية، بينما خطت الإمارات خطوات لافتة عبر إدماج المرأة في مجلس الوزراء وفي المجلس الوطني الاتحادي. وتكشف هذه التجارب أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تُقترن بآليات رقابة ومحاسبة تضمن التطبيق الفعلي.
ولا تقتصر التحديات القانونية على المنطقة العربية وحدها، بل تتكرر في سياقات دولية مختلفة، كما يتّضح من تحديات قانونية مماثلة تواجه مجتمعات محلية في مناطق أخرى من العالم. وهذا يُذكّر بأن الدفاع عن الحقوق يحتاج إلى أطر تشريعية مرنة وقادرة على استيعاب مطالب الفئات المختلفة، وفي مقدّمتها النساء.
المجتمع المدني والشباب نحو أفق أوسع
يلعب المجتمع المدني دوراً محورياً في تعبئة النساء سياسياً وتهيئة الأرضية لترشّحاتهنّ، سواء عبر برامج بناء القدرات أو من خلال حملات المناصرة والتوعية. وقد أسهمت منظمات عربية عدة في إنتاج قواعد بيانات حول النساء المرشحات، ونظّمت برامج تدريبية شملت مهارات الخطاب والإدارة المالية والتواصل الرقمي، وهو ما أحدث تحولاً نوعياً في مستوى التنافسية لدى المرشحات.
وفي المقابل، يبرز دور الشباب والحركات الرقمية في إعادة تشكيل النقاش العام حول المشاركة النسائية، إذ باتت منصات التواصل فضاءً بديلاً لتجاوز الحواجز التقليدية في الوصول إلى الجمهور. ويُتوقع أن يتعاظم هذا الدور في السنوات المقبلة مع توسّع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الحملات الانتخابية، مما يستدعي تشريعات جديدة تحمي المشاركة السياسية للمرأة من مخاطر التلاعب والتضليل.
توصيات لتعزيز المشاركة النسائية في البرلمانات العربية
- اعتماد حصص إلزامية ومُلزِمة في القوانين الانتخابية، مع ربطها بآليات رقابة ومحاسبة واضحة.
- تخصيص تمويلات عامة ميسّرة للمرشحات، خاصة في الدوائر الريفية والنائية.
- إدماج معايير النوع الاجتماعي في الأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية وتطبيقها فعلياً.
- تطوير برامج تكوينية مستمرة تستهدف النساء المنتخبات حديثاً لضمان استدامة أدائهنّ النيابي.
- تعزيز استقلالية وسائل الإعلام وتوجيهها لتناول قضايا المرأة البرلمانية بوصفها شأناً سياسياً لا اجتماعياً فحسب.
- إشراك المجتمع المدني في تصميم ومتابعة خطط التمكين، بما يضمن مسارات تشاركية ومستدامة.
- تحديث التشريعات المتصلة بالحملات الرقمية، بما يحدّ من التضليل ويكفل تكافؤ الفرص في الفضاء السيبراني.