اليمن: هل تقترب مفاوضات السلام من نهاية الحرب؟
تدخل الحرب اليمنية عامها العاشر وسط تحولات إقليمية ودولية أعادت ملف التسوية السياسية إلى الواجهة. فقد تراجعت حدة المواجهات البرية مقارنة بسنوات سابقة، وفتحت قنوات الاتصال بين أطراف النزاع، بينما تحاول الأمم المتحدة وسلطنة عُمان والسعودية دفع الفرقاء نحو تفاهمات قابلة للتنفيذ. Alantkhabat Alryasyt Almsryt Qra T Fy Almshhd Alsyasy Bb8ca.
لكن انخفاض التصعيد لا يعني أن السلام أصبح قريباً بالضرورة. فالقضايا الجوهرية، مثل شكل الدولة، وتقاسم الموارد، ووضع القوات المسلحة، ورواتب الموظفين، وفتح الطرق والموانئ، لا تزال مرتبطة بتوازنات سياسية وعسكرية معقدة. لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار حقيقي لإمكان الانتقال من الهدنة الهشة إلى اتفاق ينهي الحرب.
مسار التفاوض بين الهدوء والجمود
شهد اليمن خلال الفترة الماضية اتصالات مكثفة هدفت إلى تثبيت التهدئة وبناء إطار تفاوضي أوسع. وتدور النقاشات حول وقف شامل لإطلاق النار، واستئناف تصدير النفط، وتوحيد آليات دفع الرواتب، ورفع القيود عن حركة المدنيين، ثم الانتقال إلى حوار سياسي تشارك فيه القوى اليمنية بمظلة أممية.
وتمنح التهدئة النسبية الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها تكشف في الوقت نفسه صعوبة معالجة الملفات العالقة. فكل طرف يسعى إلى ضمانات واضحة قبل تقديم تنازل، كما أن غياب الثقة يجعل أي حادث أمني قابلاً لإعادة التوتر إلى خطوط المواجهة. ولهذا تعتمد المفاوضات على خطوات تدريجية بدلاً من اتفاق شامل يُعلن دفعة واحدة.
الملفات التي تحدد فرص السلام
يمثل الملف الاقتصادي أحد أهم مفاتيح التسوية. إذ أدت الحرب إلى انقسام المؤسسات المالية، وتعدد أسعار الصرف، وتراجع الإيرادات، وتدهور القدرة الشرائية. ويحتاج أي اتفاق إلى ترتيبات تضمن دفع الرواتب وتحسين الخدمات وتوزيع عائدات الموارد بصورة أكثر عدلاً، ويمكن متابعة صورة أوسع عن القضايا المالية في الاقتصاد اليمني.
أما الجانب السياسي، فيتصل بمستقبل الحكم والعلاقة بين المركز والأقاليم ومكانة القوى الجنوبية. فالحوثيون يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة من شمال البلاد، بينما تتمتع الحكومة المعترف بها دولياً وحلفاؤها بنفوذ متفاوت في الجنوب والشرق. وبين الطرفين قوى محلية وقبلية ومكونات سياسية لا يمكن تجاهلها في أي تسوية دائمة.
دور الوسطاء والضمانات الإقليمية
تؤدي سلطنة عُمان دوراً مهماً في نقل الرسائل وتهيئة الاتصالات غير المباشرة، مستفيدة من علاقتها المفتوحة مع أطراف النزاع. كما تحاول السعودية دعم مسار يخفف التهديدات على حدودها ويؤسس لعلاقة مستقرة مع اليمن، في حين تسعى الأمم المتحدة إلى تحويل التفاهمات الثنائية إلى إطار سياسي أوسع وأكثر شرعية.
وتحتاج التسوية إلى ضمانات إقليمية ودولية تمنع الأطراف من استخدام الاتفاق لإعادة ترتيب صفوفها عسكرياً. كما أن أي تقدم يتطلب تنسيقاً بين الوسطاء، لأن تعدد القنوات قد يسرّع التفاوض أحياناً، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى رسائل متناقضة وتأجيل القرارات الصعبة. نجاح الوساطة مرتبط بقدرتها على ربط الوعود السياسية بمكاسب ملموسة للسكان.
العقبات التي تؤخر نهاية الحرب
لا يزال الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين عائقاً أمام تشكيل موقف تفاوضي موحد. فالتباينات بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي والقوى المحلية في مناطق مختلفة تجعل من الصعب تحديد ممثل واحد للجانب الآخر. وقد يؤدي تجاهل هذه الخلافات إلى اتفاق محدود لا يصمد عند بدء مناقشة مستقبل الجنوب وترتيبات السلطة.
وتضاف إلى ذلك تأثيرات البحر الأحمر والتوترات الإقليمية. فأي تصعيد مرتبط بالممرات البحرية أو بالصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ينعكس على اليمن، ويمنح المتشددين مبرراً لتأجيل التنازلات. كما أن استمرار الأزمة الإنسانية، وغياب الخدمات، وارتفاع البطالة، تجعل السلام السياسي غير كافٍ ما لم يصاحبه تحسن سريع في الحياة اليومية.
مؤشرات تدفع نحو التسوية
توجد إشارات يمكن قراءتها باعتبارها فرصاً حقيقية لبناء اتفاق، حتى إن لم تكن دليلاً على قرب حسم الحرب. ومن أبرزها استمرار قنوات الاتصال، واهتمام الأطراف بملف الرواتب وفتح الطرق، وتراجع العمليات العسكرية الواسعة، إضافة إلى رغبة إقليمية في خفض كلفة الصراع.
وتظهر المؤشرات الإيجابية في عدد من المسارات المترابطة:
- استمرار الوساطة العُمانية والاتصالات المباشرة وغير المباشرة.
- طرح إجراءات اقتصادية وإنسانية قبل الانتقال إلى الترتيبات السياسية الكبرى.
- تراجع نسبي في القتال داخل الجبهات الرئيسية.
- ازدياد الضغط الشعبي من أجل صرف الرواتب وتحسين الخدمات.
- إدراك الأطراف أن الحسم العسكري الكامل لم يعد خياراً واقعياً.
مع ذلك، تبقى قيمة هذه المؤشرات مرتبطة بقدرة الأطراف على تحويلها إلى قرارات رسمية وآليات رقابة. فالهدوء الميداني قد يكون مؤقتاً، والتفاهمات غير الموقعة لا توفر حماية كافية للمدنيين أو ضمانة لاستمرار فتح الطرق والموانئ. لذلك ينبغي قياس التقدم بما يحدث على الأرض، لا بما يرد في التصريحات السياسية وحدها.
شكل الاتفاق الممكن وتوقعات المرحلة
من المرجح أن يأتي أي اتفاق يمني على مراحل، تبدأ بترتيبات إنسانية واقتصادية، ثم وقف إطلاق نار شامل، ثم حوار حول شكل الدولة وتقاسم السلطة. وقد يتيح هذا المسار اختبار نوايا الأطراف وتخفيف المخاوف المتبادلة، لكنه يتطلب جدولاً زمنياً واضحاً حتى لا تتحول المرحلة الانتقالية إلى حالة دائمة من الجمود.
وتتمثل الاختبارات الأهم أمام التسوية المقبلة في النقاط التالية:
- توحيد آلية دفع رواتب الموظفين في مختلف المناطق.
- فتح الطرق الرئيسية ورفع القيود عن الموانئ والمطارات.
- وقف التجنيد والتصعيد الإعلامي والتحشيد العسكري.
- إشراك القوى الجنوبية والمحلية في صياغة الترتيبات السياسية.
- إنشاء آلية رقابة مستقلة لمتابعة تنفيذ الالتزامات.
إذا نجحت هذه الخطوات، فقد يصبح الانتقال إلى مفاوضات سياسية شاملة أكثر واقعية. أما إذا تعثرت بسبب الخلاف على الموارد أو التمثيل أو الضمانات الأمنية، فستعود البلاد إلى نمط الهدن المؤقتة الذي يوقف القتال دون أن ينهي أسباب النزاع. ويظل العامل الحاسم هو استعداد الأطراف للتخلي عن فكرة تحقيق مكاسب كاملة، وقبول تسوية تدريجية تحفظ المصالح الأساسية وتمنح اليمنيين فرصة لاستعادة مؤسساتهم وحياتهم الطبيعية.
في هذا السياق، لا يمكن الجزم بأن مفاوضات السلام اقتربت بالفعل من نهاية الحرب، لكن يمكن القول إن نافذة سياسية أكثر جدية قد فُتحت. وسيحدد مدى اتساعها سلوك الفاعلين اليمنيين، ومستوى الدعم الإقليمي، وقدرة الوسطاء على تحويل التفاهمات إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ.