تقاسم السلطة في اليمن بين المجلس الرئاسي والحوثيين
تشهد الجمهورية اليمنية منذ أواخر عام 2014 واحدة من أعقد الأزمات السياسية في المنطقة العربية، حيث اندلعت المواجهات المسلحة بين جماعة أنصار الله المعروفة بالحوثيين وقوات الحكومة الشرعية عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء. وقد أدت العملية العسكرية التي تقودها السعودية منذ مارس 2015 إلى تعقيد المشهد السياسي بشكل كبير، وتحويل البلاد إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، مع تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
في أبريل 2022، تم الإعلان عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بموجب الإعلان الرئاسي الصادر عن الرئيس عبد ربه منصور هادي، وذلك تنفيذاً لبنود اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي. وجاء هذا التشكيل بهدف توحيد المؤسسات السيادية وتجاوز حالة التشظي المؤسسي التي أعاقت مسار التسوية السياسية خلال السنوات الماضية، إضافةً إلى تمثيل المكونات السياسية الرئيسية في هيكل السلطة الانتقالية.
ورغم مرور أكثر من عامين على تشكيل المجلس الرئاسي، لا تزال المفاوضات بين الأطراف اليمنية تراوح مكانها، حيث تتعثر مسارات التفاوض بسبب تباين الرؤى حول طبيعة السلطة المركزية وموقع صنع القرار. ويتقاطع هذا الجمود مع تعقيدات إقليمية ودولية متعددة، مما يجعل من مسألة تقاسم السلطة بين المجلس الرئاسي والحوثيين ملفاً شائكاً يتطلب معالجات دقيقة ومتوازنة.
تتفاوت المواقف الدولية تجاه الأزمة اليمنية بين دعوات متكررة لوقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، ومحاولات دبلوماسية مكثفة لإحياء العملية السياسية. وتكتسب الإشارات التاريخية حول مسار الحروب الأهلية أهمية خاصة في هذا السياق، مثل تفكك الدولة الوطنية في سوريا ودورها الإقليمي الذي يقدم دروساً قيمة حول مخاطر انزلاق الدول نحو الفوضى عندما تفشل آليات تقاسم السلطة.
جذور النزاع وتداعياته على هيكل الدولة
يعود النزاع في اليمن إلى عوامل تاريخية عميقة تتعلق بطبيعة التشكيلة الاجتماعية والقبلية للمجتمع اليمني، إضافة إلى صراعات مركزية وهامشية مزمنة بين شمال البلاد وجنوبها. وقد أدت ثورة الشباب في 2011 إلى مرحلة انتقالية اتسمت بالهشاشة، حيث فشلت المبادرة الخليجية في بناء نظام سياسي مستقر وقادر على استيعاب التنوع السياسي والجغرافي.
عمّق هذا النزاع بشكل ملحوظ من هشاشة الدولة اليمنية خلال العقد الماضي، حيث أصبحت المؤسسات السيادية والاقتصادية والأمنية تعمل بشكل جزئي أو متوقف تماماً في مناطق واسعة. وأدى الصراع إلى انقسام حاد بين عدة سلطات أمر واقع، بما فيها سلطات الحوثيين في الشمال، والحكومة المعترف بها دولياً، إضافةً إلى قوى محلية أخرى تدير مناطق نفوذها بشكل منفصل عن المركز.
الإعلان عن المجلس الرئاسي واختصاصاته
يتألف المجلس الرئاسي من ثمانية أعضاء يمثلون المكونات السياسية والجغرافية الرئيسية في اليمن، وقد تم اختيارهم بعناية لضمان تمثيل متوازن بين الشمال والجنوب وبين القوى السياسية الرئيسية. ويرأس المجلس حالياً رشاد العليمي، فيما يتولى عيدروس الزبيدي منصب نائب الرئيس، مما يعكس محاولة لإرضاء أطراف اتفاق الرياض وإدماج المجلس الانتقالي في الهيكل السياسي الجديد.
من المهام الجوهرية للمجلس الرئاسي وفق الإعلان الرئاسي:
- إدارة المرحلة الانتقالية سياسياً وأمنياً واقتصادياً
- تمثيل الجمهورية اليمنية في المحافل الدولية والإقليمية
- التفاوض مع الحوثيين للوصول إلى تسوية نهائية
- الإشراف على إعادة هيكلة المؤسسات السيادية والعسكرية
- اتخاذ القرارات السيادية العليا خلال المرحلة الانتقالية
غير أن صلاحيات المجلس تعرضت لانتقادات واسعة بسبب الغموض في توزيع السلطات بين أعضائه، وضعف تفاعلها مع الحكومة المعترف بها دولياً. كما أن غياب آلية واضحة لحل الخلافات الداخلية بين أعضائه يظل أحد أبرز التحديات المؤسسية التي تعيق قدرة المجلس على قيادة المرحلة الانتقالية بفعالية.
مطالبات الحوثيين وموقفهم من الشراكة
يرفض الحوثيون الاعتراف بشرعية المجلس الرئاسي ويصفونه بأنه تشكيل خارجي لا يعبر عن الإرادة الوطنية، مؤكدين أن أي عملية سياسية يجب أن تبدأ بتشكيل حكومة انتقالية جديدة يتم الاتفاق عليها وطنياً. ويطالبون بإعادة تشكيل السلطة وفق معايير تقوم على الشراكة الفعلية في القرار والمشاركة، وليس تقارير عسكرية أو أمنية فحسب.
يرى الحوثيون أن الحل السياسي يجب أن يضمن إشراكهم الكامل في صياغة الدستور الجديد وتشكيل المؤسسات السيادية، إضافة إلى وقف كامل للعمليات العسكرية في البلاد ورفع الحصار عن محافظة الحديدة وميناءها الاستراتيجي. كما يربطون أي تقدم في المفاوضات بتنفيذ اتفاق ستوكهولم الموقع في 2018 والذي نص على تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في المحافظة الحيوية.
المساعي الأممية لاستئناف العملية السياسية
يتولى المبعوث الأممي الخاص تنسيق المحادثات غير الرسمية بين الأطراف الرئيسية، حيث تسعى الأمم المتحدة إلى خلق مسارات تفاوضية متعددة تشمل المسار السياسي والمسار الأمني والمسار الإنساني. وقد شهدت الفترة الماضية عدة جولات من المفاوضات في العاصمة العمانية مسقط وفي الرياض، دون أن تفضي إلى اختراقات ملموسة في جدار الأزمة.
تتركز جهود الأمم المتحدة حالياً على الضغط من أجل تنفيذ خارطة طريق تتضمن خطوات متزامنة تشمل وقف إطلاق النار، ودفع رواتب الموظفين الحكوميين، وفتح الطرقات الرئيسية، إضافةً إلى إطلاق سراح المعتقلين. غير أن تعقيد المشهد السياسي وتشابك الملفات الإقليمية والدولية يجعل من مهمة المبعوث الأممي تحدياً دبلوماسياً كبيراً، خاصة في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة بين الأطراف بتعطيل المسار التفاوضي.
تحديات جوهرية تواجه مسار التفاوض
تواجه عملية تقاسم السلطة في اليمن تحديات متعددة تتجاوز مجرد الخلافات السياسية بين الأطراف، حيث تتداخل العوامل العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في تشكيل واقع معقد. وتتطلب المفاوضات حسابات دقيقة تشبه استراتيجيات البوكر المعقدة حيث يتعين على كل طرف إدارة أوراقه بعناية فائقة لتجنب الخسائر الكبيرة.
من أبرز التحديات الماثلة أمام التسوية السياسية:
- استمرار حالة الانقسام العسكري والأمني بين عدة تشكيلات مسلحة
- تداعيات الأزمة الإنسانية الحادة وانتشار المجاعة في عدة مناطق
- تعقيد البنية القبلية والمناطقية وعلاقتها بمعادلة القوى المحلية
- غياب ثقة عميقة بين الأطراف الرئيسية بسبب انتهاكات سابقة متعددة
- تداخل الأجندات الإقليمية والدولية في الملف اليمني بشكل يعقد الحلول المحلية
التأثيرات الإقليمية والدولية على التسوية
تلعب السعودية دوراً محورياً في الملف اليمني بحكم موقعها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي في الجزيرة العربية، حيث تقود التحالف العسكري منذ 2015 وتدعم المجلس الرئاسي سياسياً ومالياً. وتؤثر التطورات الإقليمية، بما فيها الاحتجاجات في إقليم الأحواز وتداعياتها على الاستقرار الداخلي الإيراني، بشكل غير مباشر على حسابات طهران الإقليمية وعلاقتها بجماعة الحوثيين التي تعد أحد أبرز أدواتها في المنطقة.
تتقاطع المصالح الدولية في اليمن بين مساعي واشنطن ولندن للتصدي للنفوذ الإيراني، ومحاولات موسكو وبكين لتعزيز وجودهما في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن. كما أن ملف أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يظل أحد الملفات التي تثير قلقاً دولياً واسعاً بسبب تأثيرها على حركة التجارة العالمية، مما يمنح الملف اليمني بُعداً يتجاوز الحدود الإقليمية اليمنية.
ملامح المستقبل وفرص بناء التوافق
رغم التعقيدات الراهنة، تظل هناك فرص متاحة لإحراز تقدم في المسار التفاوضي إذا ما توفرت إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف الرئيسية. وتشير بعض التحليلات إلى أن استئناف المفاوضات تحت مظلة أممية موسعة وبمشاركة إقليمية ودولية أوسع قد يفتح المجال لتجاوز حالة الجمود الحالية.
يتوقف مستقبل العملية السياسية في اليمن على عدة عوامل حاسمة أبرزها قدرة المجتمع الدولي على توفير ضمانات حقيقية للتسوية، ومدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات سياسية مؤلمة، إضافةً إلى قدرة المجلس الرئاسي على تجاوز خلافاته الداخلية وتقديم رؤية موحدة للتفاوض. وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبقى الملف اليمني واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً على استقرار المنطقة ككل.