تعاظم الحضور الروسي في أفريقيا وموقف القوى الغربية
شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حجم الاهتمام الروسي بالقارة الأفريقية، إذ تحولت المنطقة من هامش في السياسة الخارجية لموسكو إلى ساحة محورية تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والإيديولوجية. وقد أثار هذا التوجه قلقاً متزايداً لدى العواصم الغربية، التي بدأت تستشعر تراجع هيمنتها التقليدية في مناطق كانت تعتبرها امتداداً طبيعياً لنفوذها التاريخي.
يتناول هذا المقال مسارات التقارب الروسي الأفريقي، وأبرز المجالات التي يتركز فيها التعاون، إضافة إلى ردود الفعل الأمريكية والأوروبية، وانعكاسات هذا التحول على موازين القوى الدولية في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية.
جذور العلاقات الروسية الأفريقية عبر التاريخ
لم تكن العلاقة بين موسكو والقارة الأفريقية وليدة اللحظة، بل تمتد بجذورها إلى الحقبة السوفياتية حين دعم الاتحاد السوفيتي حركات التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وقدّمت موسكو في تلك المرحلة مساعدات عسكرية وتدريبية، فضلاً عن منح دراسية لأبناء القارة في الجامعات السوفياتية، مما أسّس لذاكرة إيجابية لا تزال حاضرة في الوجدان السياسي الأفريقي.
وبعد انهيار المعسكر الشرقي عام 1991، تراجع الاهتمام الروسي بأفريقيا لفترة امتدت نحو عقدين، قبل أن تعود روسيا الاتحادية إلى الواجهة مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة. وجاءت قمة سوتشي الأفريقية عام 2019 لتؤكد الطابع المؤسسي لهذا التوجه، حيث جمعت نحو أربعين رئيس دولة وحكومة أفريقية في تظاهرة دبلوماسية واسعة النطاق، مهّدت لتوقيع عشرات الاتفاقيات في مجالات التعدين والطاقة والصناعات العسكرية.
محاور التعاون الاقتصادي والعسكري
تتعدد الواجهات العملية لهذا التقارب، ويمكن رصد أبرزها في المجالات التالية:
مجالات التعاون الرئيسية
- التعاون العسكري وتسليح الجيوش الأفريقية: حيث باتت روسيا من أبرز موردي الأسلحة التقليدية إلى دول مثل الجزائر ومصر ونيجيريا وأنغولا، إلى جانب توفير خدمات التدريب عبر مؤسسات مثل "روسوبورون إكسبورت".
- الاستثمار في قطاع الطاقة والمعادن: إذ تشارك الشركات الروسية في استخراج الذهب والماس واليورانيوم في عدد من الدول الأفريقية، فضلاً عن مشاريع بناء محطات للطاقة النووية.
- التبادل التجاري الزراعي: حيث تُعد روسيا من أكبر موردي الحبوب، لا سيما القمح، إلى بلدان شمال أفريقيا، مما يمنحها نفوذاً اقتصادياً مباشراً لدى شعوب تعتمد على الأمن المعيشي.
- التعاون في مجال البنية التحتية: من خلال مشاريع الطرق والسكك الحديدية والموانئ، التي غالباً ما تُنفّذ بتمويل وشروط ميسرة مقارنة بالعروض الغربية.
في المقابل، لا يخلو هذا التعاون من انتقادات تتعلق بضعف الشفافية في صفقات الأسلحة، وتراجع ممارسات الحوكمة في بعض قطاعات التعدين، حيث تتعامل بعض الشركات الروسية مع حكومات تواجه انتقادات دامنة في مجال حقوق الإنسان.
الأدوات الدبلوماسية في النفوذ الروسي
تعتمد موسكو على منظومة متكاملة من الأدوات لتعزيز حضورها، أبرزها الزيارات رفيعة المستوى وافتتاح السفارات في مدن كانت مهمشة دبلوماسياً، علاوة على الدور الذي تؤديه في مجلس الأمن الدولي بصفتها عضواً دائماً، إذ لطالما استُخدم الفيتو الروسي لصالح دول أفريقية في أوقات حرجة.
كما يُعدّ البعد الإعلامي مكوناً أساسياً في الاستراتيجية الروسية، إذ تنشط وسائل إعلامية ناطقة بالفرنسية والعربية مثل "RT" و"سبوتنيك" في تغطية الأحداث الأفريقية، وهو ما يلامس دور الإعلام العربي في تشكيل الرأي العام السياسي الذي يضطلع بدور فاعل في توجيه الخطاب الموجه إلى الجمهور الأفريقي.
ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبته "مجموعة فاغنر"، ثم لاحقاً ما بات يُعرف بـ"الفيلق الأفريقي"، في مناطق النزاع، حيث قدمت هذه القوات دعماً مباشراً لحكومات في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، مقابل حصولها على امتيازات في قطاع التعدين وحماية المواقع الاستراتيجية.
المخاوف الغربية من التمدد الروسي
تتعدد المخاوف الغربية، ويمكن إجمال أبرز دوافع القلق في النقاط التالية:
دوافع القلق الغربي
- تراجع الهيمنة الغربية التقليدية: حيث تخشى فرنسا تحديداً فقدان امتيازاتها التاريخية في منطقة الفرنكوفون، خاصة بعد انسحاب قواتها من مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
- السيطرة على الموارد الطبيعية: إذ ترى واشنطن وبروكسل أن النفوذ الروسي في قطاع المعادن النادرة والطاقة يُهدد المصالح الغربية في سلاسل التوريد العالمية.
- إنشاء قواعد عسكرية ميدانية: مع تكثيف التحركات الروسية نحو إقامة منشآت عسكرية في ليبيا والسودان ودول الساحل، وهو ما يقلق حلف الناتو حيال أمن أوروبا الجنوبية.
- تعزيز الخطاب المناهض للغرب: حيث تتهم العواصم الغربية موسكو باستغلال الخطاب المعادي للاستعمار لتأجيج المشاعر الشعبية ضد المصالح الغربية.
وتتعزز هذه المخاوف مع تنامي التقارب الروسي الصيني في القارة، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية نشوء تحالف بديل يوازن النفوذ الغربي التقليدي في أفريقيا.
مواقف الولايات المتحدة وأوروبا
تتقاطع ردود الفعل الأمريكية والأوروبية في جوهرها رغم اختلاف الأدوات. فقد كثّفت واشنطن من برامجها التنافسية، مثل "استراتيجية أفريقيا" التي أُطلقت في عهد إدارة بايدن، علاوة على تعاونها مع دول أفريقية في مجال الأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب. وفي المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحديث استراتيجيته تجاه القارة، التي تم الإعلان عنها رسمياً في عام 2022.
أما فرنسا، فتُعد الأكثر تأثراً بهذا التحول، نظراً لتموضعها الدائم في القارة الأفريقية، لا سيما في منطقة الساحل والوسط. وقد انعكس ذلك في مراجعة حكومية للسياسة الفرنسية في أفريقيا، وما رافقها من انسحابات عسكرية وتراجع للوجود الدبلوماسي الفرنسي في عدد من العواصم الأفريقية.
الانعكاسات على التوازنات الجيوسياسية
يُمثّل صعود النفوذ الروسي في أفريقيا تحولاً في بنية النظام الدولي، إذ يُسهم في تسريع التحول نحو تعددية الأقطاب، ويمنح دول القارة هامشاً أكبر للمناورة في علاقاتها الدولية بدلاً من الاعتماد التقليدي على الشركاء الغربيين. ويتزامن هذا التحول مع تنامي الدور الصيني وزيادة الاهتمام التركي والإماراتي والسعودي بالقارة الأفريقية.
كما يطرح التقارب الروسي الأفريقي تساؤلات حول مستقبل المنظومة الليبرالية الدولية التي تقودها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، خاصة في ظل تصويت عدد من الدول الأفريقية لصالح قرارات أممية تتعارض مع الموقف الأمريكي، وهو ما اعتبرته بعض التحليلات مؤشراً على ما رصدته صحيفة جوهانسبرج بوست وغيرها من المنابر الإعلامية الأفريقية بشأن تعميق الاستقطاب العالمي الجديد.
آفاق الدور الروسي في أفريقيا مستقبلاً
رغم المكاسب التي حققتها موسكو، فإن الطريق أمامها ليس مفروشاً بالمكاسب، إذ تواجه تحديات تتعلق بقدرة الاقتصاد الروسي على تحمل أعباء المنافسة الدولية في ظل العقوبات الغربية، فضلاً عن تنامي الوعي الأفريقي بخطورة الارتباط الأحادي بأي قوة خارجية، وهو ما يدفع دول القارة إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية. وبحسب مراقبين، فإن نجاح الاستراتيجية الروسية مرهون بقدرتها على تجاوز الطابع الأمني والعسكري نحو مشاريع تنموية مستدامة تُلامس حاجات السكان اليومية، وهو اختبار صعب في ظل استمرار تداعيات الحرب الأوكرانية على الموارد الروسية.
في المحصلة، تبدو أفريقيا ساحة مركزية للصراع الجيوسياسي العالمي، وقدرة القوى الغربية على استعادة نفوذها التقليدي مرتبطة بمدى تقديمها بدائل اقتصادية وتنموية أكثر جاذبية، بينما تبقى الطريقة التي تُقدّم بها روسيا نفسها بوصفها شريكاً منصفاً للقارة الأفريقية موضع اختبار مستمر خلال المرحلة المقبلة.