قضية الصحراء الغربية في حسابات مجلس الأمن
تعود قضية الصحراء الغربية إلى واجهة النقاش الدولي كلما اقترب مجلس الأمن من تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً بـ«مينورسو». فالملف الذي بدأ بوصفه نزاعاً إقليمياً مرتبطاً بتصفية الاستعمار أصبح مرتبطاً أيضاً بأمن شمال أفريقيا، وبالعلاقات بين المغرب والجزائر، وبقدرة الأمم المتحدة على إدارة مسار تفاوضي طويل ومعقد. Azmt Allajyyn Alswryyn Fy Trkya Wawrwba 0a282.
وتتداخل في القضية عناصر قانونية وسياسية وإنسانية؛ إذ يتمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، بينما تطالب جبهة البوليساريو بتقرير المصير، بما في ذلك خيار الاستقلال. وبين الموقفين، يحاول مجلس الأمن الحفاظ على وقف إطلاق النار ودفع الأطراف نحو حل واقعي ودائم ومقبول، من دون أن يمتلك أدوات حاسمة لفرض تسوية نهائية.
جذور النزاع والمسار الأممي
تعود جذور النزاع إلى نهاية الوجود الإسباني في الإقليم خلال سبعينيات القرن الماضي، حين دخل المغرب وموريتانيا في ترتيبات ميدانية، وظهرت جبهة البوليساريو بوصفها طرفاً يطالب باستقلال الصحراء الغربية. وأدى الصراع المسلح إلى موجات نزوح، قبل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991 برعاية الأمم المتحدة، مع تصور أولي لتنظيم استفتاء حول مستقبل الإقليم.
غير أن الخلاف حول الهيئة الناخبة وشروط التصويت وطبيعة الخيارات المطروحة أدى إلى تعطيل الاستفتاء. ومع مرور الوقت، تحول المسار الأممي من التحضير للاستفتاء إلى البحث عن حل سياسي تفاوضي، مع بقاء تقرير المصير مرجعاً أساسياً في قرارات مجلس الأمن. وتستمر بعثة مينورسو في مراقبة الوضع الميداني، رغم تراجع قدرتها على أداء مهامها كاملة بسبب التوترات السياسية والقيود المفروضة على التواصل مع الأطراف.
حسابات مجلس الأمن وموازين القوى
يناقش مجلس الأمن الملف ضمن حسابات تتجاوز حدود الإقليم. ففرنسا والولايات المتحدة تميلان إلى دعم مقاربة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً عملياً للتفاوض، بينما تحرص روسيا والصين على إبقاء لغة القرارات منسجمة مع مبدأ تقرير المصير وعدم إغلاق الخيارات مسبقاً. أما بريطانيا، فتسعى غالباً إلى صياغة متوازنة تحافظ على دور الأمم المتحدة وتدفع نحو استئناف الحوار.
وتؤثر التحالفات الدولية في صياغة بيانات المجلس وقراراته، كما تؤثر فيها ملفات أخرى مثل مكافحة الإرهاب والهجرة وأمن الساحل. وتظهر في التحولات الدولية الراهنة مؤشرات تساعد على فهم سبب تغير أولويات القوى الكبرى، إذ بات الاستقرار الإقليمي والتعاون الأمني حاضرين بقوة في تقييم المواقف الدبلوماسية المتعلقة بشمال أفريقيا.
ولا يقتصر الخلاف على مضمون القرار السنوي، بل يشمل أيضاً صلاحيات بعثة الأمم المتحدة وطريقة مراقبة حقوق الإنسان والتقارير الميدانية. فالمغرب يرفض توسيع مهمة مينورسو لتشمل آلية مستقلة لحقوق الإنسان، بينما ترى البوليساريو والجزائر أن مراقبة الحقوق ضرورية لضمان شفافية الوضع في الإقليم ومخيمات تندوف.
مواقف الأطراف ومساحات التباين
يقدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي بوصفها إطاراً يمنح سكان الصحراء الغربية صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم المحلية، مع بقاء السيادة المغربية. ويستند هذا الطرح إلى دعم دبلوماسي متزايد من دول عدة، وإلى افتتاح بعثات قنصلية في مدن الإقليم. في المقابل، تعتبر جبهة البوليساريو أن أي حل لا يتضمن خيار الاستقلال ينتقص من حق تقرير المصير، وتدعو إلى استفتاء واضح الخيارات.
وتصف الجزائر موقفها بأنه دعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وتنفي أن تكون طرفاً مباشراً في النزاع، لكنها تستضيف قيادة البوليساريو وأعداداً كبيرة من اللاجئين الصحراويين. أما موريتانيا فتحافظ على سياسة حذرة، نظراً لموقعها الجغرافي وصلاتها الأمنية والاقتصادية مع كل من المغرب والجزائر.
ومن أبرز العوامل التي تؤثر في مواقف الأطراف:
- طبيعة تفسير حق تقرير المصير في القانون الدولي.
- مستقبل بعثة مينورسو وصلاحياتها الميدانية.
- مستوى التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية.
- المصالح الاقتصادية المرتبطة بالفوسفات والصيد والطاقة.
- أمن الحدود وحركة التجارة في منطقة الساحل.
ويتعامل مجلس الأمن مع هذه التباينات عبر دعوة الأطراف إلى استئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة، مع التشديد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم. لكن اختلاف تعريف كل طرف للواقعية يجعل العبارات الدبلوماسية قابلة لتفسيرات متباينة، ويحول دون الانتقال السريع من إدارة الأزمة إلى تسويتها.
البعد الإنساني والتنمية في الإقليم
يظل البعد الإنساني حاضراً في النقاش، خصوصاً في مخيمات اللاجئين الصحراويين قرب تندوف، حيث تعتمد شرائح واسعة على المساعدات الدولية. ويثير طول أمد النزوح أسئلة حول التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل وحماية الفئات الأكثر هشاشة. كما يحتاج السكان في المدن والقرى الصحراوية إلى تنمية متوازنة وفرص اقتصادية تضمن مشاركة محلية حقيقية.
ولا يمكن فصل الملف عن التجارب الإقليمية الأخرى في إدارة أزمات النزوح. فالتعامل مع أزمة اللاجئين السوريين يوضح كيف يمكن لطول أمد اللجوء أن يحول المسألة الإنسانية إلى قضية سياسية وأمنية واجتماعية في آن واحد، حتى عندما تبدأ بوصفها استجابة طارئة. وفي الصحراء الغربية، يزيد غياب أفق سياسي واضح من صعوبة بناء حلول إنسانية مستدامة.
ترتبط التنمية أيضاً بالثروات الطبيعية وبمدى استفادة السكان المحليين منها. ويطالب المغرب بربط الاستثمارات بالبنية التحتية وفرص العمل، بينما تشكك البوليساريو والجزائر في شرعية استغلال الموارد قبل حسم الوضع النهائي للإقليم. لذلك تظل مشروعات الطاقة والنقل والصيد موضع نقاش قانوني وسياسي، لا مجرد ملفات اقتصادية.
آفاق التسوية والوساطة الإقليمية
يعتمد مستقبل المسار السياسي على قدرة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة على إعادة بناء قنوات الاتصال بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا. فاستمرار القطيعة المغربية الجزائرية يجعل أي تقدم هشاً، لأن النزاع يرتبط مباشرة بموازين القوة الإقليمية وبالتنافس على النفوذ في المغرب العربي. ومن هنا تبرز أهمية الوساطة الهادئة، والاتصالات غير المباشرة، وتجنب الخطابات التي تغلق أبواب التفاوض.
كما أن الأدوار الدبلوماسية لدول خارج المنطقة قد تسهم في تخفيف الاحتقان إذا ركزت على تقريب المواقف بدلاً من الاصطفاف الكامل مع طرف واحد. ويقدم الدور القطري كوسيط مثالاً على الاهتمام العربي بأدوات الوساطة في النزاعات الإقليمية، مع اختلاف طبيعة كل ملف وحدود التأثير الممكن فيه.
وتبقى عناصر المسار الأكثر حساسية مرتبطة بقدرة الأطراف على تحويل المبادئ العامة إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ:
- ضمان استمرار وقف إطلاق النار وخفض التوتر الميداني.
- توفير قنوات اتصال منتظمة بين الأطراف المعنية.
- صياغة حل يحظى بقبول سياسي وشعبي واسع.
- حماية حقوق السكان وتحسين ظروفهم الإنسانية.
- ربط أي اتفاق بآليات متابعة دولية واضحة.
إن استمرار القضية على طاولة مجلس الأمن يعكس عجز المجتمع الدولي عن فرض حل، لكنه يؤكد أيضاً أن الملف لم يفقد مكانته القانونية والسياسية. وقد يتطلب التقدم صيغة تجمع بين الحكم المحلي الواسع، وضمانات تقرير المصير، ومراقبة دولية متفق عليها، مع معالجة متزامنة للعلاقات المغربية الجزائرية. وفي غياب هذه المقاربة المركبة، سيظل النزاع يدور بين قرارات دورية ووساطات متقطعة، بينما يبقى السكان في انتظار تسوية تنهي حالة عدم اليقين الممتدة.