عودة سوريا إلى الجامعة العربية: مسار التطبيع وتداعياته
بعد أكثر من عقد من العزلة التي فُرضت على دمشق في أعقاب القمع الدامي للاحتجاجات الشعبية واندلاع الحرب الأهلية، شرعت سوريا في استعادة مقعدها داخل المحافظ الدبلوماسية العربية. وقد شكّلت عودتها إلى جامعة الدول العربية في أيار/مايو 2023 محطة فاصلة، غير أن مشروع تطبيع العلاقات العربية مع النظام السوري يتجاوز بكثير مراسم القمة في جدة. فهو يشمل تنسيقاً أمنياً، وإعادة اندماج اقتصادي، وإعادة بناء تدريجية للثقة السياسية بين عواصم دعمت أطرافاً متناحرة طوال سنوات الصراع.
أعادت الأزمة السورية تشكيل التحالفات الإقليمية بشكل عميق، إذ وقفت دول الخليج والقوى المقربة من الغرب في مواجهة إيران وروسيا، فيما تشرذمت المعارضة السورية بين أراضي المنفى والشتات. ولم يكن تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية في نوفمبر ٢٠١١ مجرد إدانة للعنف، بل كان أيضاً انعكاساً لصراع أوسع على النفوذ الإقليمي. أما اليوم، ومع تغيّر الأولويات المرتبطة بمكافحة الإرهاب، وعودة اللاجئين، والحد من التمدد الإيراني، فإن عدداً متزايداً من الحكومات العربية يرى أن التعامل المباشر يخدم مصالحها أكثر من المقاطعة.
غير أن التطبيع يظل مفهوماً مثيراً للجدل، سواء داخل سوريا أو في مختلف أرجاء العالم العربي. فقد تباينت خطوات الدول واشتراطاتها في إعادة التواصل مع دمشق، بحسب حساباتها الاستراتيجية وضغوطها الداخلية وعلاقاتها مع القوى الخارجية المؤثرة. ويتطلب فهم هذا المشهد المتغير استعراض الجذور التاريخية، والمحفزات المباشرة للتقارب، والعقبات التي لا تزال تعترض إعادة الدمج الكامل.
جذور الأزمة ومسار العزلة الدبلوماسية
ترتد جذور عزلة سوريا إلى الأشهر الأولى من عام ٢٠١١، حين تصاعد ردّ الحكومة على المظاهرات الشعبية إلى حملة عسكرية شاملة ضد المدنيين. وكان تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية في نوفمبر ٢٠١١ خطوة غير مسبوقة في تاريخ المنظمة، إذ تعكس حجم العنف والتوافق الإقليمي على أن النظام تجاوز الخطوط الحمراء. وعلى مدى السنوات التالية، وجدت دمشق نفسها معتمدة بشكل متزايد على الدعم الإيراني والروسي و"حزب الله" اللبناني للحفاظ على سيطرتها territorialية.
رافق الجمود الدبلوماسي إجراءات اقتصادية خنقت قدرة الدولة السورية على العمل. فقد شلّت العقوبات الأمريكية والأوروبية، إلى جانب العزلة المالية العربية، قطاعات تمتد من المصارف إلى الطيران. وتحول الدور المركزي لسوريا في السياسة الإقليمية، الذي عبّرت عنه سابقاً عبر قيادة "محور المقاومة"، تدريجياً إلى عبء مع تزايد وضوح تكاليف التحالف مع طهران وموسكو لدى الشركاء العرب السابقين.
دواعي التقارب العربي الجديد
دفعت عدة عوامل متقاربة موجة التقارب الأخيرة بين العواصم العربية ودمشق. فقد أوجد احتواء المراحل الأكثر حدة من الصراع السوري، إلى جانب تثبيت خطوط الجبهات تحت الرعاية الروسية والإيرانية، واقعاً جديداً قررت كثير من الحكومات العربية التعامل معه بدلاً من مقاومته. وقد جسّمت عودة سوريا إلى قمة الجامعة العربية في جدة في مايو 2023 هذا التحول الاستراتيجي.
وراء الاعتبارات الأمنية، تلعب العوامل الاقتصادية دوراً كبيراً في دفع التطبيع. فاحتياجات إعادة الإعمار في سوريا تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات، مما يتيح فرصاً كبيرة للمستثمرين الخليجيين الساعين إلى توسيع نفوذهم الإقليمي. كما دفعت استضافة ملايين اللاجئين السوريين دولاً مثل الأردن ولبنان وتركيا إلى المطالبة بحلول سياسية تُمهّد لعودة تدريجية. وتغذي الرغبة في الحد من النفوذ الإيراني في سوريا أيضاً مسار التقارب، إذ إن إعادة فتح القنوات الدبلوماسية العربية يمنح هذه الدول أدوات ضغط حرمت منها خلال سنوات المقاطعة.
المواقف الإقليمية والدولية المتباينة
يتباين نسق التطبيع واشتراطاته اختلافاً كبيراً عبر العالم العربي. فقد اضطلعت السعودية، رغم حذرها العلني، بدور محوري في تسهيل إعادة إدماج سوريا إقليمياً، بدافع جزئي من منافستها الأوسع مع إيران ورغبتها في رسم ملامح النظام ما بعد الصراع. أما الإمارات، فقد أعادت بالفعل ربط علاقتها بدمشق عام 2018، مراهنةً مبكراً على بقاء النظام وممهدةً نفسها لفرص اقتصادية. وافتتحت مصر أيضاً قنوات دبلوماسية، وإن أبقت على تحفظات حول سرعة الإصلاح السياسي.
في المقابل، تصرف عدد من الفاعلين بحذر أكبر أو ربطوا انخراطهم بشروط. فقد أبدت قطر، التي كانت داعماً رئيسياً للمعارضة السورية، تردداً أكبر في التعامل مع حكومة الأسد دون أدلة واضحة على تقدم سياسي. واعتمدت الكويت وبعض الدول الخليجية مقاربات حذرة، داعية إلى حل سياسي يستجيب لمخاوف الشعب السوري. وتعكس هذه المواقف المتباينة ليس فقط اختلافات استراتيجية، بل أيضاً تفاوت الحساسيات السياسية الداخلية تجاه التعاطي مع حكومة الأسد.
العقبات والتحديات أمام التطبيع الكامل
رغم الزخم الذي يحرّك التطبيع، تظل عقبات جوهرية قائمة. فمسألة المفقودين والمعتقلين السياسيين والمساءلة عن جرائم الحرب تثقل كاهل الجهود الرامية إلى إعادة بناء الثقة. وترى منظمات المجتمع المدني السوري والمعارضة أن أي تطبيع ذي معنى يجب أن يتضمن تقدماً حقيقياً في الإصلاح السياسي، بما في ذلك تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254 واستئناف عملية سياسية genuine.
وتواصل العقوبات الدولية، ولا سيما عقوبات "قانون قيصر" الأمريكية، تضييق نطاق الانخراط الاقتصادي حتى مع سعي الحكومات العربية إلى توسيع التجارة والاستثمار. وقد دفع خطر العقوبات الثانوية كثيراً من الشركات والمؤسسات المالية إلى التريّث، رغم الدعم السياسي للتطبيع على المستوى الحكومي. كما أن وجود قوات الحرس الثوري الإيراني والأصول العسكرية الروسية على الأراضي السورية يخلق تعقيدات أمام الدول العربية التي تسعى إلى تأكيد نفوذها الإقليمي دون مواجهة مباشرة مع هذه القوى الخارجية.
التأثيرات الاقتصادية والأمنية المحتملة
إذا مضى التطبيع قدماً، فستكون التداعيات الاقتصادية بالغة الأهمية. فالبنية التحتية السورية المتضررة من أكثر من عقد من الصراع تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الإسكان والنقل والطاقة والاتصالات. وتملك دول الخليج رأس المال والاهتمام الاستراتيجي للمساهمة في هذا إعادة الإعمار، بما يخلق ممرات اقتصادية جديدة تربط الشام بالخليج العربي. كما أن إعادة فتح طرق التجارة البرية من خلال الأردن والعراق قد تنعش التجارة الإقليمية.
على الصعيد الأمن، يمكن للتنسيق في مجال مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود وتبادل المعلومات الاستخبارية أن يعود بالنفع على جميع الأطراف. ويظل وجود بقايا الجماعات المتطرفة في سوريا، بما فيها بقايا تنظيم "داعش"، مصدر قلق مشترك. وقد تسعى الحكومات العربية أيضاً إلى توظيف التطبيع لضمان عودة اللاجئين السوريين، وإن كان ذلك يتطلب معالجة الظروف التي أدت أصلاً إلى موجات النزوح. ومع استمرار تطور الديناميكيات الإقليمية، تتسع أنماط الانخراط الدولي لتشمل قطاعات تتجاوز السياسة التقليدية، إذ تتنوع اهتمامات الجمهور العالمي بين إعادة الإعمار الإقليمي والسياحة الدولية، كما يظهر في الأدلة التي تتناول تجربة الكازينو في أستراليا.
آفاق المستقبل والمسارات المتوقعة
يتوقف مسار العلاقات العربية السورية خلال المرحلة المقبلة على عدة تطورات. فإحراز تقدم في العملية السياسية داخل سوريا، حتى لو كان تدريجياً، يمكن أن يسرّع التطبيع ويشجع على انخراط اقتصادي أوسع. وعلى النقيض، فإن أي تصاعد جديد للعنف أو تراجع واضح في الملفات الإنسانية قد يدفع بعض الحكومات العربية إلى خفض مستوى تمثيلها.
وسيظل دور القوى الخارجية مؤثراً في رسم الملامح. فأولوية روسيا في أوكرانيا قلّصت قدرتها على متابعة الملف السوري بكثافة معتادة، مما قد يفسح المجال أمام توسع النفوذ العربي. وإيران، رغم عمق تغلغلها، تواجه ضغوطاً اقتصادية تحدّ من قدرتها على الحفاظ على وجودها السوري بالمستويات الحالية. وستبقى تركيا، بمخاوفها الأمنية في شمال سوريا، فاعلاً محورياً تتقاطع مصالحها وتتباعد مع مصالح الدول العربية. وستختبر السنوات القادمة ما إذا كان الزخم نحو التطبيع سيُفضي إلى تحول دائم أم سيظل مجرد تعديل تكتيكي وفقاً لمتغيرات الظرف. لمزيد من الرؤى حول التطورات الإقليمية ولمشاركة آرائكم في هذه القضايا المتشعبة، يمكنكم تواصل معنا.