الانتخابات الليبية وطريق الاستقرار بين الانقسام والفرص

تظل الانتخابات الليبية واحدة من أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل الدولة ووحدتها. فإجراء اقتراع وطني شامل يمكن أن يفتح الباب أمام شرعية سياسية جديدة، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر إضافي للتوتر إذا جرى تنظيمه وسط انقسام مؤسسي وأمني حاد. Zasavc.net.

منذ سنوات، تتعايش في ليبيا أجسام سياسية متنافسة، وتختلف مراكز النفوذ حول قواعد العملية الانتخابية، وحدود صلاحيات الحكومة، وترتيبات المرحلة الانتقالية. لذلك لا يكفي تحديد موعد للتصويت، بل يجب توفير بيئة قانونية وأمنية وسياسية تضمن قبول النتائج.

تتداخل في هذا المسار عوامل محلية وإقليمية ودولية. فالمنافسة على عائدات النفط، وانتشار السلاح، وتعدد القوى المسلحة، إلى جانب التنافس على النفوذ في شمال أفريقيا، تجعل الاستحقاق الانتخابي أكبر من مجرد منافسة بين مرشحين.

ويحتاج فهم الأزمة إلى النظر في جذورها المؤسسية والاجتماعية، لا إلى التركيز على التأجيل وحده. فكل موعد انتخابي يتعثر يضعف الثقة العامة، لكنه يكشف أيضًا عن نقاط الخلاف التي ينبغي معالجتها قبل محاولة إطلاق دورة جديدة من الوعود السياسية.

المشهد السياسي الليبي وتعدد مراكز القرار

يقوم التعقيد السياسي في ليبيا على وجود سلطات وأجسام متنافسة تستمد شرعيتها من مراحل مختلفة. وبينما تتمسك أطراف بشرعية انتخابية أو دستورية سابقة، تعتمد أطراف أخرى على ترتيبات انتقالية أو على نفوذ ميداني يفرض حضورها في مؤسسات الدولة.

هذا الانقسام يجعل الاتفاق على قانون الانتخابات مسألة سياسية شديدة الحساسية. فالصياغات المتعلقة بصلاحيات الرئيس والبرلمان، وشروط الترشح، وتوقيت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، قد تعيد توزيع النفوذ بين المدن والمناطق والتيارات، ولذلك تتعامل معها القوى المتنافسة باعتبارها ضمانات مستقبلية لا مجرد مواد قانونية.

القاعدة الدستورية والعقبات القانونية

لم يُحسم بصورة نهائية الإطار الدستوري الذي يستند إليه الاقتراع. وتظهر الخلافات حول أولوية الاستفتاء على الدستور، أو اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة، أو الاكتفاء بتعديلات قانونية تنظم الانتخابات. ويؤدي غياب التوافق إلى منح كل طرف مبررات للطعن في شرعية الخطوات التي لا تناسبه.

كما أن شروط الترشح تمثل نقطة خلافية متكررة، وخصوصًا ما يتصل بالجنسية المزدوجة، والمناصب العسكرية، والمسؤولية عن الانتهاكات السابقة. وكلما بقيت هذه القضايا غامضة، ازداد احتمال ظهور طعون بعد إعلان النتائج، الأمر الذي قد يحول الخلاف القانوني إلى أزمة سياسية وأمنية.

المؤسسات الانتخابية وثقة الناخبين

تحتاج المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى دعم مؤسسي ومالي وأمني يضمن قدرتها على تسجيل الناخبين، وتحديث السجلات، وفتح مراكز الاقتراع، ومراقبة الحملات الانتخابية. كما يتطلب نجاحها تعاون السلطات المحلية والقضائية والأمنية، بدل أن تعمل في بيئة تتنافس فيها المؤسسات على الاختصاص.

وترتبط المشاركة الشعبية بمستوى الثقة في العملية كلها. فالناخب قد يعزف عن التصويت إذا اعتقد أن النتائج لن تُحترم، أو أن المال السياسي والسلاح سيحددان مخرجات الصندوق. وتساعد الشفافية في إعلان الجدول الزمني، ونشر قواعد التمويل، وتوضيح آليات الطعن، على تقليل الشكوك قبل يوم الاقتراع.

إجراءات تعزز النزاهة والقبول

الأمن والسلاح وتأثيرهما في المسار الانتخابي

لا تزال الترتيبات الأمنية من أبرز عراقيل الطريق إلى الاستقرار. فوجود تشكيلات مسلحة خارج قيادة موحدة يثير مخاوف من الضغط على المرشحين والناخبين، أو من استخدام مراكز النفوذ المحلية للتأثير في النتائج. كما يمكن لأي حادث محدود أن يوقف التصويت في منطقة واسعة ويغذي خطاب التخوين بين الأطراف.

ويحتاج تأمين الانتخابات إلى خطة وطنية لا تقتصر على حماية مراكز الاقتراع. ينبغي أن تشمل الخطة ضبط الخطاب التحريضي، وتأمين نقل المواد الانتخابية، وحماية الموظفين والقضاة، ومنع حمل السلاح داخل المراكز ومحيطها. وتبقى عملية توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تدريجية، لكنها ضرورية لتقليل خطر العودة إلى العنف بعد إعلان النتائج.

التدخلات الخارجية وحسابات النفوذ

تؤثر القوى الإقليمية والدولية في الملف الليبي من خلال الوساطة، والدعم السياسي، والاتصالات مع الأطراف المحلية، وأحيانًا عبر تفاهمات أمنية واقتصادية. وقد ساعد الضغط الخارجي في بعض المراحل على منع التصعيد، لكنه أسهم في مراحل أخرى في تثبيت التوازنات المؤقتة بدل معالجة الانقسام من جذوره.

ولا يمكن فصل ليبيا عن تحولات المنطقة، بما فيها إعادة ترتيب التحالفات والاتصالات بين دول عربية وإقليمية. وتقدم قراءة التحولات الإقليمية سياقًا مفيدًا لفهم كيف يمكن للتفاهمات العابرة للحدود أن تنعكس على حسابات الفاعلين الليبيين، من دون افتراض أن العامل الخارجي وحده يفسر التعثر.

الاقتصاد والموارد كعاملين في الصراع

يمثل النفط مركز الثقل الاقتصادي والسياسي في ليبيا، لأن السيطرة على عائداته تمنح الأطراف قدرة على تمويل المؤسسات والتحالفات المحلية. وعندما تُستخدم الموارد العامة كأداة للمساومة، تتراجع فرص بناء إدارة موحدة، ويصبح توزيع الإنفاق بين المناطق سببًا دائمًا للتوتر.

وتزيد أزمات السيولة والبطالة وتدهور الخدمات من حساسية المرحلة الانتقالية. كما أن النزاعات حول الموارد المائية في الإقليم، ومنها ما يرتبط بـأزمة مياه النيل، تذكّر بأن استقرار ليبيا يتأثر أيضًا بالبيئة الجيوسياسية الأوسع. لذلك ينبغي أن ترافق الانتخابات سياسات اقتصادية تمنع تحويل النفط والخدمات إلى أدوات لمعاقبة مناطق أو مكافأة جماعات.

ملفات اقتصادية تحتاج إلى معالجة

المجتمع المدني والمصالحة الوطنية

تحتاج الانتخابات إلى بيئة اجتماعية تقبل التنافس السياسي من دون تحويله إلى صراع جهوي أو قبلي. وقد لعبت منظمات المجتمع المدني والروابط المحلية والنقابات دورًا في مراقبة الانتهاكات ونشر التوعية، لكنها تواجه قيودًا تتعلق بالتمويل والأمن وضيق المجال العام.

ولا يمكن للانتخابات وحدها أن تعالج آثار النزوح والانتهاكات والانقسامات التي خلفتها الحروب. فالمصالحة الوطنية، وجبر الضرر، وعودة النازحين، ومعالجة ملف المحتجزين، عناصر تساعد على منع استخدام المظالم في الحملات الانتخابية. وكلما شعر المواطن بأن الدولة تعترف بمعاناته، زادت قابلية المجتمع لقبول التسويات السياسية.

مسارات واقعية نحو استقرار مستدام

يتطلب تجاوز التعثر ترتيب الأولويات بدل السعي إلى عقد اقتراع سريع بأي تكلفة. الأولوية الأولى هي بناء تفاهم سياسي على القواعد، تليه ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ، ثم ضمانات واضحة لاحترام النتائج. ويمكن للبعثة الأممية وشركاء ليبيا الدوليين دعم الحوار، لكن المسؤولية الأساسية تبقى لدى النخب والمؤسسات المحلية.

وتحتاج المرحلة المقبلة إلى جدول زمني قابل للقياس، يتضمن خطوات معلنة ومواعيد للمراجعة وآليات للتعامل مع الخلافات. كما يجب إشراك البلديات والنساء والشباب والقوى الاجتماعية في النقاش، حتى لا تبقى العملية محصورة بين النخب المسلحة أو الأطراف المتنافسة على المناصب.

إن نجاح الانتخابات الليبية لن يقاس بيوم التصويت فقط، بل بقدرة الدولة على حماية الناخبين، واحترام النتائج، وتوحيد المؤسسات، وفتح المجال أمام تداول سلمي للسلطة. وعندها يصبح الاقتراع بداية لمسار استقرار حقيقي، لا حلقة جديدة في سلسلة المراحل الانتقالية المؤجلة.