السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد الانسحاب من أفغانستان

أعاد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان رسم صورة الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حتى لو لم يؤدِّ إلى خروج واشنطن الكامل من المنطقة. فقد انتقلت السياسة الأمريكية من إدارة أزمات واسعة ومباشرة إلى مقاربة أكثر انتقائية، تعتمد على الشراكات الأمنية والضغط الدبلوماسي والعمليات المحدودة.

لم يكن القرار الأفغاني حدثاً منفصلاً عن تحولات أكبر داخل الولايات المتحدة. فالرأي العام أبدى تعباً من الحروب الطويلة، والكونغرس بات أكثر حساسية تجاه تكاليف الانتشار العسكري، بينما ركزت الإدارات المتعاقبة على المنافسة مع الصين وروسيا والتحديات الاقتصادية والتكنولوجية.

في المقابل، تنظر دول المنطقة إلى الانسحاب بوصفه اختباراً لمدى التزام واشنطن بحلفائها. وبينما ترى بعض الحكومات أن تقليل الوجود العسكري قد يخفف التوتر، تخشى أخرى أن يفتح فراغاً تستفيد منه إيران أو الجماعات المسلحة أو القوى الدولية الصاعدة.

لذلك، لا يمكن فهم السياسة الأمريكية تجاه المنطقة بعد انسحاب أفغانستان من خلال عدد الجنود الموجودين فحسب. الأهم هو شكل النفوذ الذي ستستخدمه واشنطن، وحدود استعدادها للتدخل، وقدرتها على الجمع بين حماية المصالح الأمريكية واحتواء الأزمات المتشابكة.

من الوجود المباشر إلى النفوذ المرن

أصبح الانتشار العسكري الأمريكي أقل اعتماداً على الاحتلال أو بناء أنظمة سياسية جديدة، وأكثر ارتباطاً بالقواعد والشراكات والقدرات الاستخبارية. وتحتفظ واشنطن بوجود مؤثر في الخليج والعراق وسوريا، لكنها تفضل استخدام قوات صغيرة نسبياً، مدعومة بالطائرات والمسيرات والقوات الخاصة.

هذا التحول يمنح الإدارة الأمريكية مساحة أكبر للمناورة، ويقلل الخسائر البشرية والسياسية. لكنه يضعف في الوقت نفسه قدرة واشنطن على فرض نتائج طويلة الأمد، لأن الضربات المحدودة لا تعالج جذور الصراعات، ولا تمنع خصومها من إعادة تنظيم صفوفهم.

تسعى الولايات المتحدة كذلك إلى توزيع أعباء الأمن على الحلفاء. وتظهر هذه السياسة عبر المناورات المشتركة، وتبادل المعلومات، وتطوير منظومات الدفاع الجوي، وربط الشركاء في ترتيبات إقليمية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة.

أمن الخليج واختبار الثقة

يمثل الخليج محوراً أساسياً في الحسابات الأمريكية بسبب الطاقة والتجارة والممرات البحرية، حتى مع تراجع الاعتماد المباشر على نفط المنطقة. وترغب واشنطن في حماية الملاحة وردع الهجمات على المنشآت، لكنها لا تريد العودة إلى التزامات عسكرية مفتوحة قد تجرها إلى مواجهة واسعة مع إيران.

أدى هذا التوازن إلى شعور متباين لدى دول الخليج. فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تنويع علاقاتها مع الصين وروسيا وتركيا، وتوسيع قنوات الحوار مع الخصوم الإقليميين لتقليل مخاطر الاعتماد على طرف واحد.

وتحاول الإدارة الأمريكية طمأنة شركائها من خلال صفقات السلاح والتدريبات والاتفاقات الدفاعية، إلا أن الثقة لا تُبنى بالمعدات وحدها. فالحلفاء يريدون معرفة الشروط التي قد تدفع واشنطن إلى التدخل، والحدود التي ستضعها أمام الهجمات على أراضيهم ومصالحهم.

إيران والملف النووي

يظل البرنامج النووي الإيراني نقطة التقاء بين الدبلوماسية والردع والعقوبات. فواشنطن ترغب في منع طهران من امتلاك سلاح نووي، لكنها تدرك أن الضغط الأقصى لم ينهِ أنشطة التخصيب، كما أن الخيار العسكري قد يشعل سلسلة من الهجمات في الخليج والعراق وسوريا ولبنان.

ينعكس مستقبل الاتفاق النووي الإيراني على مجمل التوازن الإقليمي. فإذا نجحت المفاوضات، قد تنخفض احتمالات التصعيد وتُفتح قنوات اقتصادية محدودة، أما إذا انهارت، فستعود العقوبات المشددة والتهديدات المتبادلة إلى واجهة المشهد.

لا تنظر إسرائيل ودول عربية عديدة إلى الملف النووي بمعزل عن نفوذ إيران الإقليمي. فهي تربط بين التخصيب ودعم الجماعات المسلحة وتطوير الصواريخ والطائرات المسيرة. لذلك تواجه واشنطن معضلة تتمثل في التفاوض حول الملف النووي دون منح طهران حرية أوسع في ساحات أخرى.

اليمن والعراق وسوريا

تكشف الساحات العربية عن حدود القدرة الأمريكية على إدارة الأزمات من بعيد. ففي اليمن، تركز واشنطن على مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة والحد من تهريب السلاح، مع دعم المساعي السياسية وتقليل الانخراط في العمليات الهجومية. لكن استمرار الصراع يفرض ضغوطاً على هذا النهج.

وتوضح قراءة مسار الحوثيين في اليمن أن الجماعات المحلية تستطيع تحويل الدعم الخارجي إلى نفوذ سياسي وعسكري طويل الأمد. ولهذا لا يكفي اعتراض الصواريخ أو استهداف مخازن السلاح؛ فالحل يحتاج إلى تسوية داخلية وترتيبات إقليمية تضمن أمن الحدود والموانئ.

في العراق وسوريا، تعتمد واشنطن على قوات محلية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وموازنة النفوذ الإيراني. غير أن هذا الوجود يظل عرضة للهجمات، كما أن غياب تسوية سياسية شاملة يترك القوات الأمريكية في وضع دفاعي مؤقت، لا يملك القدرة على تغيير بنية الصراع جذرياً.

الصين وروسيا في المشهد الإقليمي

تستغل الصين تردد الولايات المتحدة لتوسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والموانئ، ومن خلال تقديم نفسها شريكاً لا يربط التعاون بشروط سياسية صارمة. أما روسيا فتستخدم السلاح والطاقة والعلاقات الأمنية لتثبيت نفوذها، خصوصاً في سوريا وليبيا ومناطق أخرى.

لا يعني ذلك أن بكين وموسكو قادرتان على استبدال واشنطن بالكامل. فالولايات المتحدة ما زالت تملك شبكة تحالفات عسكرية واسعة، وتتفوق في التكنولوجيا والتمويل والقدرة على حماية طرق التجارة. لكن المنافسين ينجحون في استثمار الفراغات الصغيرة، وتقديم بدائل في ملفات محددة.

يمتد التنافس إلى القارة الأفريقية والبحر الأحمر، حيث ترتبط أزمات الشرق الأوسط بأمن الملاحة والهجرة والطاقة. وتوفر منصات مثل أفريقيا سنو مؤشراً على اتساع النقاش الإعلامي حول التحولات الجيوسياسية التي تربط شمال أفريقيا والقرن الأفريقي بالشرق الأوسط.

أدوات المنافسة الدولية

مسارات السياسة الأمريكية المقبلة

يتوقف مستقبل الدور الأمريكي على ثلاثة عوامل رئيسية: اتجاهات السياسة الداخلية، مستوى التهديدات الإقليمية، وقدرة الحلفاء على تحمل مسؤوليات أكبر. فإذا استمرت الضغوط الاقتصادية والاستقطابات الداخلية، فقد تفضل واشنطن إدارة الأزمات من خارج المنطقة بدلاً من الانخراط المباشر فيها.

لكن الانسحاب الكامل ليس خياراً واقعياً في المدى القريب. فمصالح الولايات المتحدة تشمل حماية القوات والمنشآت، ومنع انتشار السلاح النووي، وضمان حرية الملاحة، ومواجهة التنظيمات المتطرفة، والحفاظ على نفوذ يسمح لها بمنافسة الصين وروسيا.

مؤشرات تغيّر النهج الأمريكي

قد تقود هذه السياسة إلى استقرار نسبي إذا نجحت واشنطن في الجمع بين الردع والدبلوماسية. أما إذا بدا تقليص الوجود العسكري تراجعاً عن الالتزامات، فقد تتسع سباقات التسلح وتزداد الحسابات المستقلة لدى القوى الإقليمية.

في المحصلة، أسس الانسحاب من أفغانستان لمرحلة أمريكية جديدة لا تقوم على مغادرة المنطقة، بل على إعادة تعريف طريقة الحضور فيها. وستبقى النتيجة مرتبطة بمدى قدرة الولايات المتحدة على طمأنة حلفائها، احتواء إيران، منع عودة التنظيمات المتطرفة، وموازنة نفوذ الصين وروسيا دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.