دعم إيران لميليشيات العراق: حسابات النفوذ وحدود القوة

يمثل العراق واحدة من أكثر الساحات أهمية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية. وقد تطور النفوذ الإيراني هناك عبر علاقات حزبية ودينية وشبكات اجتماعية، إلى جانب دعم فصائل مسلحة لعبت أدواراً متفاوتة منذ سقوط نظام صدام حسين ثم خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

لا يمكن اختزال هذا الدعم في بُعد عسكري فقط؛ فهو يرتبط بحسابات الردع، وحماية الحدود، وتأمين طرق التجارة والطاقة، وموازنة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي. ويحتاج فهم هذه العلاقة إلى التمييز بين المؤسسات الرسمية العراقية، والفصائل المنضوية في أطر قانونية، والمجموعات التي تحتفظ بقرار مستقل عن الدولة.

الجغرافيا بوابة النفوذ الإيراني

يشكل العراق عمقاً أمنياً مهماً لإيران، إذ تمتد الحدود بين البلدين لمسافة طويلة وتربطهما صلات مذهبية وثقافية وتجارية راسخة. لذلك تنظر طهران إلى استقرار العراق من زاوية تتجاوز السياسة الداخلية، وتتعامل معه بوصفه جزءاً من محيطها الحيوي الذي يمكن أن يمنع انتقال التهديدات إلى أراضيها.

بعد عام 2003، استفادت إيران من ضعف مؤسسات الدولة العراقية وتعدد مراكز القرار. فدعمت قوى سياسية وشخصيات دينية وفصائل مسلحة، وساعدها ذلك على بناء قنوات تأثير موازية للمسار الدبلوماسي التقليدي. وتعرض موقع أخبارتن أخبار المنطقة وتحليلاتها ضمن فضاء إعلامي عربي يتابع هذه التحولات المتشابكة.

من الردع إلى إدارة المصالح

تستند طهران في تعاملها مع الفصائل العراقية إلى فكرة الردع المتقدم، أي نقل مساحة الضغط بعيداً عن أراضيها. وتتيح الجماعات المسلحة الحليفة لإيران إمكانية الرد على الخصوم أو رفع كلفة أي هجوم محتمل، من دون الدخول بالضرورة في مواجهة مباشرة وشاملة.

لكن النفوذ لا يعتمد على السلاح وحده. فالعلاقات الاقتصادية، وزيارات رجال الدين، والمنح التعليمية، والتجارة الحدودية، وشبكات الخدمات المحلية، كلها أدوات تساهم في تعزيز الحضور الإيراني. وتختلف درجة تبعية الفصائل لطهران؛ فبعضها يرتبط بها أيديولوجياً وتنظيمياً، بينما يتعامل بعضها الآخر معها باعتبارها حليفاً يوفر التدريب والسلاح والتمويل.

الفصائل المسلحة داخل المعادلة العراقية

أدى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية إلى توسيع دور الحشد الشعبي والفصائل التي قاتلت إلى جانبه. وقد ساهمت هذه القوى في استعادة مدن وأراضٍ واسعة، الأمر الذي منحها شرعية شعبية وسياسية في قطاعات عراقية رأت فيها قوة دفاع ضرورية خلال مرحلة الانهيار الأمني.

في المقابل، أدى بقاء السلاح خارج السيطرة الكاملة للحكومة إلى جدل مستمر حول سيادة الدولة. وتظهر المشكلة عندما تتخذ فصائل معينة مواقف عسكرية أو إقليمية لا تنسجم مع القرار الرسمي، أو عندما تتحول القوة التي نشأت لمواجهة خطر استثنائي إلى لاعب دائم في السياسة والأمن والاقتصاد.

ومن أبرز دوافع طهران للحفاظ على هذه القنوات:

العراق بين النفوذ الإيراني والضغوط الخارجية

لا تعمل الفصائل الموالية لإيران في فراغ سياسي، بل تتحرك داخل بيئة تتنافس فيها الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج وإسرائيل على التأثير. ويجعل هذا التنافس العراق ساحة حساسة، إذ قد يتحول أي تصعيد محدود إلى أزمة أوسع إذا استُخدمت الأراضي العراقية لضرب قواعد أو مصالح أجنبية.

وتحاول الحكومات العراقية المتعاقبة تحقيق توازن صعب بين الحفاظ على علاقات قوية مع إيران، وتطوير الشراكات مع الدول العربية والغربية، ومنع تحول البلاد إلى منصة صراع بالوكالة. غير أن ضعف الثقة بين القوى السياسية وتعدد الولاءات يجعل تنفيذ سياسة خارجية موحدة أمراً معقداً.

وتقدم تجربة ساحات أخرى مؤشرات على كيفية تمدد الجماعات الحليفة لإيران خارج مؤسسات الدولة؛ ويمكن قراءة تجربة الحوثيين لفهم أوجه التشابه والاختلاف بين نفوذ الفصائل في العراق ومسارات السيطرة المسلحة في اليمن. فلكل بلد تركيبته الخاصة، لكن القاسم المشترك هو تداخل السلاح بالسياسة وارتباط الأمن المحلي بحسابات إقليمية.

كلفة النفوذ على الدولة والمجتمع

منحت العلاقة مع الفصائل إيران قدرة على التأثير في الملفات العراقية، لكنها فرضت عليها أيضاً أعباءً ومخاطر. فالفصائل القوية ليست دائماً قابلة للتوجيه الكامل، وقد تتخذ قرارات ترتبط بحساباتها المحلية أو بمنافساتها الداخلية. وكلما اتسعت استقلاليتها، أصبح ضبط سلوكها أكثر صعوبة حتى بالنسبة إلى داعميها.

أما العراق، فيدفع كلفة مباشرة من استمرار هذا الوضع. فازدواجية القوة تضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتؤثر في الاستثمار، وتزيد مخاطر العقوبات والضغوط الدولية. كما أن توظيف الهوية الطائفية في المنافسة السياسية يعمق الانقسام الاجتماعي ويجعل بناء دولة المواطنة أكثر تعقيداً.

ومن أبرز النتائج التي تثير القلق داخل العراق:

حسابات المستقبل وحدود القوة

يرتبط مستقبل النفوذ الإيراني في العراق بقدرة الدولة على بناء مؤسسات أكثر كفاءة واحتكار شرعي للقوة. فإذا نجحت بغداد في دمج الفصائل ضمن منظومة أمنية واضحة، مع محاسبة قانونية وضبط مصادر التمويل، فقد يتراجع هامش العمل المسلح المستقل من دون قطع العلاقات الإقليمية بصورة مفاجئة.

في المقابل، سيبقى النفوذ الإيراني حاضراً ما دامت الحدود غير مستقرة، والطبقة السياسية منقسمة، والتهديدات الخارجية قائمة. ومن المرجح أن تفضل طهران الحفاظ على شبكة مرنة من الحلفاء بدلاً من الاعتماد على تنظيم واحد، لأن هذه المرونة تسمح لها بالتكيف مع تغير الحكومات والضغوط الدولية.

تحتاج معالجة الملف إلى مسار عراقي أولاً، يقوم على حوار سياسي واسع، وتنمية المناطق المتضررة، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وتنويع العلاقات الاقتصادية. أما التعامل مع القضية باعتبارها مواجهة بين إيران وخصومها فقط، فيتجاهل جذورها الداخلية ويمنح القوى الخارجية فرصة أوسع لتحديد مستقبل العراق. وفي هذا السياق، تتابع منصات إقليمية متعددة، مثل منصة كازاخستانية، التحولات السياسية والاقتصادية التي تكشف كيف أصبحت شبكات النفوذ العابرة للحدود جزءاً من المشهد الدولي الأوسع.