قوات الدعم السريع في السودان: من الحليف إلى الخصم

تشكّلت قوات الدعم السريع في السودان خلال العقد الأول من الألفية الثالثة كقوة شبه عسكرية موالية للنظام، واستقطبت في صفوفها مقاتلين من قبائل مختلفة خصوصاً في إقليم دارفور. نشأت هذه التشكيلات في سياق الحرب الأهلية التي ضربت الإقليم الغربي، حيث اعتمدتها الحكومة المركزية أداةً لملاحقة الحركات المسلحة المعارضة. وعبر السنوات، اكتسبت هذه القوة تدريجياً نفوذاً عسكرياً واقتصادياً واسعاً، وتحولت من مجرد ميليشيا محلية إلى فاعل إقليمي له حساباته ومصالحه المتشابكة مع دوائر السلطة في الخرطوم.

اعتبر كثير من المراقبين أن تأسيس هذا التشكيل كان مدفوعاً بالحاجة إلى قوات سريعة الحركة قادرة على تنفيذ عمليات نوعية في المناطق النائية، وهو ما افتقر إليه الجيش النظامي في تلك المرحلة. وبمرور الوقت، باتت هذه القوة تستحوذ على موارد مناجم الذهب في دارفور، وتدير شبكات تجارية معقدة، وتتمتع بحماية سياسية عليا. وقد أثار هذا الصعود السريع تساؤلات جدية حول مستقبل البلاد ومدى قدرة الدولة على ضبط أسلحتها غير النظامية.

ومع اندلاع المواجهات المسلحة في أبريل 2023، انقلبت التحالفات السابقة رأساً على عقب، وتحولت العلاقة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع من شراكة محسوبة إلى مواجهة مفتوحة. وتداخلت في هذا الصراع حسابات إقليمية ودولية، وأصبحت هذه القوات طرفاً محورياً في معادلة الحرب الأهلية السودانية، بما يعنيه ذلك من تداعيات إنسانية وسياسية بالغة الخطورة.

يشكل هذا الملف نقطة التقاء بين تاريخ السودان السياسي الحديث ومستقبله الغامض، إذ تتشابك فيه أبعاد قبلية وإقليمية واقتصادية، وتتداخل فيه أدوار فاعلين محليين وإقليميين ودوليين. وتتجلى خطورة المرحلة الحالية في اتساع رقعة المواجهات، وتصاعد موجات النزوح، وتهديد وحدة التراب الوطني. ومن هنا، يصبح فهم طبيعة هذه القوة ومسارها ضرورة لفهم المشهد السوداني الراهن.

نشأة قوات الدعم السريع وأسسها التنظيمية

ظهرت قوات الدعم السريع ككيان عسكري مستحدث ضمن ترتيبات أمنية رسمية، واتخذت من مدينة الجنينة معقلاً رئيسياً لها في غرب السودان. اعتمد قادتها على خبرات اكتسبها عناصرها في حروب دارفور، وعلى دعم مباشر من أجهزة الدولة. وتطورت هذه القوة سريعاً بفضل الموارد المعدنية الهائلة التي باتت تحت تصرفها، خاصة مناجم الذهب التي شكّلت مصدر تمويل متجدداً. وأدّى هذا التداخل بين السلطة والثروة إلى تعقيد المشهد الأمني بشكل كبير، وهو ما يستعرضه تقرير المرأة في البرلمانات العربية في سياق التحولات الإقليمية المرتبطة بهذه المنطقة.

من الناحية الإدارية، اتسم هذا التشكيل بغموض مؤسسي ملحوظ، إذ لم يخضع لرقابة برلمانية حقيقية، ولم يخضع لسلطة وزارة الدفاع وفق الأعراف العسكرية المعروفة. وعمد قادته إلى بناء شبكة ولاءات خاصة بهم، تستند إلى روابط قبلية ومصالح مالية مشتركة. وبذلك باتت هذه القوة أشبه بدويلة داخل الدولة، تتصرف في كثير من الأحيان بمعزل عن القرار الرسمي.

التحالف القديم وأسباب الانفجار

ارتبطت قوات الدعم السريع تاريخياً بتحالف وثيق مع رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، إذ لعبت دوراً محورياً في تأمين انقلاب أكتوبر 2021 الذي أطاح بشركاء الحكم المدنيين. واعتقد كثيرون أن هذا التقارب سيحقق استقراراً سياسياً، غير أن تطلعات الطرفين تصادمت لاحقاً مع اختلاف الرؤى حول مستقبل السلطة وموقع الجيش في المرحلة الانتقالية.

برزت خلافات جوهرية حول دمج هذه القوة داخل الجيش النظامي، ومدة هذا الدمج، وقيادة العمليات المشتركة. وأدّى تصلب مواقف الطرفين إلى تعطيل المفاوضات، وفتح الباب أمام سيناريو المواجهة المسلحة. وتكشف هذه التطورات كيف تحوّلت أدوات كانت مخصصة لحماية النظام إلى وسائل لزعزعة استقراره. وفي هذا السياق، يقدّم المعهد الأفريقي تحليلات معمّقة حول جذور هذه الأزمة وتداعياتها على السلم الإقليمي.

الانتهاكات والحرب الأهلية

وثّقت منظمات حقوقية دولية ومحلية انتهاكات جسيمة ارتكبتها أطراف النزاع، شملت عمليات تصفية على أساس قبلي، واعتداءات على المدنيين، ونهب ممتلكات، وتدمير منشآت حيوية. وتتّهم تقارير متعددة قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات قتل خارج القانون، في حين تشير تقارير أخرى إلى انتهاكات مماثلة ارتكبتها قوات الجيش النظامي. وأدّى استمرار هذه الانتهاكات إلى تعقيد أي مساعٍ للمصالحة الوطنية.

اندلعت الاشتباكات المباشرة في منتصف أبريل 2023، بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين الجيش وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو. وسرعان ما تحولت هذه المواجهات إلى حرب شاملة امتدت إلى ولايات عدة، خصوصاً الخرطوم ودارفور وكردوفان. وتميّزت المعارك بشراستها، واستخدام أسلحة ثقيلة في مناطق حضرية مأهولة بالسكان. وأفرزت الحرب أوضاعاً إنسانية كارثية، إذ نزح ملايين المدنيين داخل البلاد وخارجها، وانهارت المنظومة الصحية في كثير من المناطق المتأثرة، وتفاقم خطر المجاعة في عدة أقاليم.

معوقات التسوية السياسية في السودان

تتعدد العوامل التي تعيق أي تسوية سياسية شاملة في السودان، وتتضافر هذه المعوقات لتجعل المشهد أكثر تعقيداً. ولا يمكن فهم هذه المعوقات بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي للبلاد الذي يميّزه تعاقب الانقلابات والإقصاء المتبادل بين الفرقاء.

تتداخل في المشهد السوداني حسابات عسكرية ضيقة مع مصالح إقليمية متناقضة، مما يخلق حلقة مفرغة من التصعيد المتبادل. وتتفاقم هذه التعقيدات بسبب انهيار الثقة بين الفرقاء السياسيين والمجتمع، وضعف آليات الحوار الوطني.

مفاتيح الحل الممكنة للأزمة السودانية

تتطلب معالجة التعقيدات المتشابكة في السودان تنسيقاً دولياً فعّالاً، ومشاركة محلية شاملة، وآليات رقابة صارمة. وتتوفر مسارات واقعية يمكن أن تمهّد لإنهاء الأزمة إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة لذلك.

تعتمد أي عملية سياسية ناجحة على قاعدة راسخة من العدالة والمساءلة، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. ويظل العامل الخارجي داعماً رئيسياً في تسهيل الحوار، لكن القرار النهائي يبقى بيد السودانيين أنفسهم.